جوزي كل ليلة الساعة ٣ الفجر

لمحة نيوز

جوزي كل ليلة أول ما الساعة تدق 3 الفجر ينزل البدروم ويرجع بعد نص ساعة وهدومه كلها تراب. كل ما أسأله كان بيقول هقولك بعدين لكن كل ليلة كان يكرر نفس الجملة ومن غير ما يقول أي حاجة
لحد ما قررت أنزل وراه بنفسي واللي شوفته هناك قلب حياتي كلها.
لحد النهارده كل ما الساعة تقرب من تلاتة الفجر جسمي كله يقشعر من غير سبب وألاقي نفسي ببص تلقائيًا ناحية باب البدروم وكأن عقلي لسه مستني يسمع نفس الصوت اللي كان بيصحيني كل ليلة. صوت باب خشب قديم بيتفتح بمنتهى الهدوء وبعده خطوات بطيئة بتنزل السلم درجة درجة ثم صمت طويل
إحنا ساكنين في بيت قديم جدًا في الإسكندرية ، البيت ده ورثه جوزي عن جده وكل اللي يشوفه يقول إنه من البيوت اللي ليها حكايات أكتر من عمر أصحابها. حيطان سميكة وسقفه عالي وفي آخر الطرقة باب حديد قديم بيوصل لبدروم صغير، عمرنا ما استخدمناه غير لتخزين كراتين وأثاث مكسور وحاجات ملهاش لازمة. كنت كل ما أنزل فيه أطلع بسرعة، مش خوفًا من حاجة لكن لأن المكان كان كئيب بشكل غريب وريحة التراب والرطوبة فيه تخنق
جوزي مهندس وطبيعته مختلفة عن أي حد أعرفه. بيعشق البيوت القديمة ويقدر يقف بالساعات يتأمل حجر أو عمود أو سقف متشقق ويحكيلي اتبنى إزاي ومن إمتى. كنت أضحك عليه وأقوله إنه لو شاف طوبة مكسورة هيقعد يحلل تاريخها ، فيضحك هو كمان ويقول إن كل بيت قديم بيخبي سر
ماكنتش أعرف إن الجملة دي هتفضل ترن في ودني بعد كده بالطريقة دي.
كل حاجة بدأت من حوالي شهرين كان فيه شرخ صغير ظهر في أرضية البدروم فنزل يشوف سببه. قعد هناك وقت طويل ولما طلع كان ساكت على غير عادته. سألته خير؟
ابتسم ابتسامة باهتة وقال ولا حاجة
ومن يومها بقى ينزل البدروم كل ليلة.
بالضبط الساعة تلاتة ولا دقيقة قبلها ولا بعدها.
في الأول افتكرت عنده شغل أو بيصلح حاجة في البيت ، لكن الغريب إنه كان بيطلع بعد نص ساعة بالثانية تقريبًا، هدومه كلها تراب ناعم وإيده فيها خدوش صغيرة وجزمته متوسخة
كنت كل ليلة أسأله نفس السؤال بتعمل إيه تحت؟
يرد بنفس الجملة بنفس النبرة كأنه حافظها هقولك بعدين.
أقوله كل يوم بتقولي نفس الكلمتين ومبتقولش حاجة
يسكت ثواني ويرد عليا نفس الرد بعدين هقولك.
الغريب إنه بعد كل مرة يطلع، يقفل باب البدروم بالمفتاح ويحط المفتاح تحت مخدته وهو نايم. وده عمره ما عمله قبل كده.
بعد أسبوع بدأت ألاحظ حاجة أغرب. بقى يسرح وهو قاعد. يبص للأرض لفترات طويلة ولو حد كلمه ينتفض كأنه راجع من مكان بعيد.
وفي مرة صحي من النوم مفزوع وقعد يردد وهو لسه مغمض عينه لسه باقي لسه باقي.
فضلت أهزه وأسأله باقي إيه؟
فتح عينه فجأة وبصلي باستغراب كأنه مش فاكر قال أي حاجة.
كل يوم كان بيتغير. ضحكته قلت. أكله بقى أقل وعينيه بقى فيهم إرهاق عمره ما كان موجود.
لكن أول ما تيجي الساعة تلاتة يقوم يلبس هدوم قديمة ياخد الكشاف وينزل كأنه حد بيناديه.
وفي مرة وأنا بغسل هدومه، لقيت في جيبه حتت حجر صغيرة جدًا، لونها مختلف عن أي حجر شوفته قبل كده.
ناعمة بشكل غريب وعليها خطوط دقيقة كأنها جزء من نقش قديم.
وريتهاله. اتغير لون وشه في لحظة وخطفها من إيدي بسرعة وقال بعصبية إوعي تلمسي أي حاجة من اللي بجيبها.
وقام دخل أوضته وقفّل الباب وقتها لأول مرة خفت منه.
مش لأنه زعق. لكن لأن عينيه كان فيهم خوف حقيقي.
الخوف ده مكانش مني كان من الحجر.
بعدها بيومين، سمعته بيتكلم في التليفون. كان فاكرني نايمة.
قال بصوت واطي جدًا لا لسه متأكدتش بس المكان موجود وأنا هنزل تاني.
أول ما حس إني صحيت، قفل المكالمة ولما سألته بيتكلم مع مين
قال رقم غلط.
كذب ودي أول مرة يكذب عليا
من بعدها فضولي بقى أقوى من خوفي وفي ليلة قبل ميعاد نزوله بدقايق، استخبيت في آخر الطرقة.
الساعة دقت تلاتة خرج من الأوضة في إيده الكشاف وفي الإيد التانية شنطة صغيرة.
فتح باب البدروم ونزل. استنيت دقيقة اتنين تلاتة
وبعدين نزلت وراه وأنا حافية، بحاول حتى صوت نفسي ميطلعش.
كان البدروم ضلمة إلا من نور كشافه البعيد فضلت ماشية وراه لحد ما شوفته واقف عند آخر الحيطة.
ركع على ركبته وشال لوحين من الأرض.
وقتها حسيت إن قلبي وقف.
لأن تحت اللوحين ماكانش فيه أرض كان فيه فتحة.
فتحة كبيرة، نازلة بسلم حجري قديم، السلالم كلها مغطاة بالتراب وكأن محدش حط رجله عليها من عشرات السنين.
جوزي نزل السلم واختفى. وقفت مكاني مش قادرة أتحرك.
كل اللي كنت أعرفه عن البدروم إنه أوضة تخزين. إزاي يكون فيه سلم كامل تحته؟
استجمعت شجاعتي ونزلت وراه درجة ورا درجة وكل ما أنزل، الهواء يبقى أبرد والرطوبة تزيد وريحة المكان تتغير.
لحد ما وصلت لممر طويل جدًا مبني بحجارة ضخمة وسقفه مقوس وكأنه جزء من مدينة تانية مدفونة تحت الأرض.
كان ماشي قدامي وأنا محافظة على مسافة كبيرة.
كل شوية يقف يبص في الحيطان ويكمل.
كأنه حافظ الطريق أو كأنه بيدور على علامة معينة.
وفجأة وقف. وأنا استخبيت بسرعة ورا عمود حجري.
رفع الكشاف لقدامه وبعدها طلع تليفونه واتصل بحد أول ما الطرف التاني رد، قال بصوت واطي

تم نسخ الرابط