أجبرني عمي على الطلاق من ابنه

لمحة نيوز

لم يكن السبب في ذلك أنني كنت أثق بأمي، ولا لأنني نسيت فجأة أسبوع الإهانة الكامل، أو ذلك الصمت المطبق على العشاء، أو صوتها الحاد وهي تعلن أمام الملأ أن الستة ملايين دولار ليست من نصيبي. لقد أخذتُ البطاقة لأنني لم أعد أملك ما أخسره، ولأن النظرة التي رمتني بها في تلك السيارة السوداء لم تكن نظرة أمٍّ جاءت لتواسي ابنتها، بل كانت نظرة شخص يحرك قطع الشطرنج على الرقعة منذ زمن بعيد.
سألتها وغصّة الألم ما زالت تخنق حنجرتي ماذا تعنين بقولكِ مثلنا الدور بما فيه الكفاية؟
لم تنطلق أمي بالسيارة على الفور، بل عدلت حزام الأمان، وشغلت المحرك، ثم انتظرت ريثما تتغير إشارة المرور. كانت تفعل ذلك دائماً عندما تريد أن تترك الطرف الآخر يتلوى في قلقه ليكون هو أول من يفقد صوابه.
أجابتني أخيراً بنبرتها الهادئة يعني ذلك أنني لو أخبرتكِ بالحقيقة منذ البداية، لخرّبتِ الخطة كلها بملامح وجهكِ الفاضحة. أنتِ طوال عمركِ لا تجيدين الكذب يا مريم.
التفتُّ نحوها بذهول إذن، كل ما حدث كان مجرد اختبار؟
قالت وهي تدير عجلة القيادة بكل برود، وتنعطف بالسيارة نحو الشارع العام لا... لم يكن اختباراً، بل كان أشعة سينية كشفت الحقيقة العارية.
شعرتُ بدمي يغلي في عروقي وتركتِني أمر بكل هذا العذاب وهذا الذل فقط لتعرفي إن كان زوجي يحبني أم لا؟
ردت دون أن ترفع نبرة صوتها ليس زوجكِ فحسب... بل عائلته، وأبوكِ، وأخوكِ... وأنتِ أيضاً.
أطلقتُ ضحكة جافة تنم عن عدم التصديق أنا؟!.
نعم، أنتِ. لأن الطريقة الوحيدة أحياناً لتكف المرأة عن العمى، هي أن نتركها لترى حقيقة الأمور بنفسها وبأم عينيها.
أردتُ أن أغضبوكنتُ غاضبة بالفعلولكن كان في كلماتها شيء يضغط على الجرح الأكثر إيلاماً في قلبي. لأن كلامها كان حقيقة مرّة؛ لو أنها جاءت إليّ قبل ذلك وقالت لي مصطفى يطمع في مالكِ، لكنتُ اتهمتها بالمبالغة، والتحكم، والمرارة. لكنتُ دافعتُ عن ذلك الرجل حتى الموت.
ضغطتُ على البطاقة المصرفية بين أصابعي وماذا الآن؟ هل تعطينني المال هكذا ببساطة؟ كجائزة ترضية؟
ارتسمت على شفتي أمي ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى لا... الآن فقط تبدأ اللعبة الحقيقية.
نظرتُ إليها بطرف عيني؛ كان شعرها مصففاً بعناية فائقة وللوراء، وتضع أحمر شفاه بلون خمري دافئ، وترتدي أقراطاً ذهبية صغيرة، ويلفها ذلك البرود القاتل الذي طالما جعلني أشعر بالبُعد عنها، وكأن في أعماقها سراً لا يمكن لأحد من عائلتها أن يلمسه. في طفولتي، كنتُ أظن أنها لا تحبني، وعندما كبرتُ، بدأتُ أدرك أنها تحبني ولكن بطريقتها الخاصة طريقة قاسية وجافة، عاجزة عن غمركِ بالأحضان، ولكنها خبيرة في إغلاق الأبواب وإصابة الهدف بدقة قاتلة.
لا أريد ارتكاب أي أمر غير قانوني، قلتُ لها.
أجابتني بجفاء يا لَشدّة الارتياح! لأنني أنا أيضاً لا أريد ذلك. الأمور غير القانونية تترك خلفها آثار أقدام، أما الأمور الذكية فلا تفعل.
مدت يدها إلى حقيبتها، وأخرجت مظروفاً ورقياً كبيراً أصفر اللون، وألقته في حجري افتحيه.
كانت بداخل المظروف نسخ من الوثائق؛ عقد زواجي، وتسوية الطلاق التي وقعتُ عليها للتو في المحكمة الشرعية، وكشوفات حسابات مصرفية، وصور.
عقدتُ حاجبَيّ مستفسرة ما هذا؟
هذا ما لم يكن عمّكِ يريدكِ أن تريه.
التقطتُ الصورة الأولى؛ كان مصطفى يدخل مطعماً برفقة امرأة، وكان ذلك قبل زواجنا بفترة طويلة. وفي الصورة التالية، كانا يجلسان متقاربين يتبادلان الضحكات. كانت التواريخ مطبوعة على ظهر الصور
وكلها تعود إلى الفترة التي كنا نعيش فيها قصة حبنا، بل إن بعضها التُقط قبل موعد زفافنا بأسبوع واحد فقط.
تشوشت الرؤية أمام عيني لثانية من هذه؟
اسمها ريم، ابنة رجل أعمال في قطاع المقاولات، وكان يملك في ذلك الوقت أموالاً تفوق ما نملكه بكثير. كانت عائلة زوجكِ مباركة لتلك العلاقة وسعيدة بها، إلى أن خضع والد الفتاة للتحقيق بتهمة الاحتيال المالي، وانهارت أعمالهم التجارية معاً. وعندها فقط، ظهرت قصة حبكِ الأسطورية معه.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة هل استغلوني منذ البداية؟
مصطفى فعل ذلك، وعائلته أيضاً، صمتت قليلاً ثم أردفت لكنهم بعد ذلك عثروا على صيد أثمن؛ فكرة أنكِ تحملين خلفكِ ثروة تقدر بستة ملايين دولار. هذا الطمع جعل تصرفاتهم غبية ومتسرعة.
واصلتُ النظر إلى الصور وكأنها تخص امرأة أخرى. تذكرتُ كل شاي صباح، وكل وعد قطعناه، وكل كلمة غزل في مطبخ شقتنا الصغيرة. وفجأة، أعيد ترتيب كل شيء في عقلي بالطريقة الأكثر قرفاً؛ لم يتوقف مصطفى عن حبي ليلة ذلك العشاء، بل كانت الحقيقة أمرّ بكثير... هو لم يحبني يوماً بالشكل الذي كنت أظنه.
أرجعتُ رأسي إلى الخلف على مقعد السيارة وأغلقتُ عيني لبضع ثوانٍ هل كان أبي يعلم؟
ليس بكل شيء، لكنه كان يشك في الأمر. وكعادته، فضل أن يعمل نفسه غافلاً ولا يتدخل.
هذا الأمر جرحني بطريقة مختلفة؛ لم يكن أبي رجلاً قاسياً، بل كان ضعيفاً، وضعفه هذا قاده في النهاية ليكون عوناً لقسوة الآخرين. كان يلوذ بالصمت دائماً ليتجنب المشاكل، وحتى لا تشتعل الأزمات، وليتحاشى المواجهات. وصمته ذاك، في كثير من الأوقات، لم يكن سوى خذلان وتخلٍّ عنا.
وأخي؟
أخوكِ ليس من أصحاب المواقف الحازمة في هذه الأمور. طلبتُ منه أن يلتزم بالدور الذي رسمته له، وفعل ما أردت. في الحقيقة، كان هو الوحيد الذي ينظر إليكِ بنظرات يملأها الشعور بالذنب في ليلة العشاء تلك.
تذكرتُ عينيه اللتين لم تفارقا صحنه؛ نعم، كان هناك شعور بالذنب، ولكنه كان مصحوباً بالجبن أيضاً. في عائلتنا، لا أحد يعرف كيف يحب دون أن يجرح أو يختبئ.
همستُ قائلة لا أفهم لماذا لم تخبريني منذ البداية؟ كان بإمكاننا فقط الابتعاد عنهم وتنتهي القصة.
التفتت إليّ أمي أخيراً ونظرت في عيني مباشرة، وللمرة الأولى منذ ركوبي السيارة، رأيت في عينيها ما يشبه الإرهاق لأنكِ لو ابتعدتِ ببساطة، لكنتِ قضيتِ شهوراً تبكين على أطلاله وتندبين حظكِ، ثم لعدتِ إليه مجدداً بمجرد أن يطرق بابكِ ويقسم لكِ بأنه نادم ويطلب السماح. النساء من أمثالكِ يا مريم، عندما يعشقن، يخلطن بين التمسك الأعمى والوفاء. والرجال من عينة مصطفى يعيشون ويتغذون على هذا الضعف.
لم أجب، لأنها وللمرة الثانية، كانت على حق.
واصلنا السير في صمت حتى وصلنا إلى بناية هادئة ذات واجهة رمادية في حي المنصور. لم يكن المكان مصرفاً ولا بيتاً سكنياً، بل كان يبدو كأنه مكتب رسمي.
أمرتني قائلة انزلي.
صعدنا إلى الطابق الثالث، واستقبلتنا امرأة ترتدي بدلة رسمية كحلية اللون، تبدو في الخمسين من عمرها، ذات ملامح حادة وتفوح منها رائحة عطر فاخر وثمين. ابتسمت لأمي وكأنهما تعملان معاً منذ سنوات طويلة.
قالت أمي وهي توجه كلامها للمرأة أهلاً سيادة المحامية... إنها مستعدة الآن.
لم يرق لي سماع ذلك؛ عبارة إنها مستعدة جعلتني أشعر وكأنني مجرد طرد مغلف ظلتا تخططان لإعداده معاً.
دخلنا إلى مكتب واسع؛ زجاج وخشب مصقول، وملفات رُتبت بعناية فائقة. طلبت مني المحامية الجلوس ثم قدمت لي فنجاناً من القهوة.
قالت لي بوضوح ودون مقدمات لقد استأجرتني والدتكِ منذ شهرين. كانت مهمتي هي مراجعة الوضع المالي لمصطفى ووالديه، بالإضافة إلى حماية أصولكِ المالية قبل صدور تعويضات الدولة عن

تم نسخ الرابط