أجبرني عمي على الطلاق من ابنه
يبدو أنكِ نمتِ بشكل أفضل مما كنت أظن.
فأجبتها أعتقد أن الرغبة في استرداد الحقوق تمنح المرء راحة في النوم.
علّقت قائلة لا بأس، ما دام هذا الموقف يُدار بخطة واستراتيجية محكمة.
ثم سحبت جهازاً لوحياً نحو طرف الطاولة ووفرت لي رؤية موقع إخباري محلي للاطلاع عليه. قرأتُ العنوان مرتين قبل أن أستوعب الكلمات بالكامل
التحقيق مع رجل أعمال بارز لشبهات وتجاوزات قانونية في تداولات عقارية.
لم يكن اسم عمّي طليقي مكتوباً بالكامل بعد، لكن كل التفاصيل تشير إليه؛ اسم المشروع السكني، المنطقة، والمبالغ المالية المذكورة... كل شيء ينطبق عليه تماماً. وفي الأسفل، كان هناك خبر أصغر يشير إلى شكوى رسمية قدمتها جهة متضررة.
وقلت في نفسي إنها ريم بلا شك.
شبكت المحامية أصابع يديها فوق مكتبها وقالت هذه مجرد البداية وصوت الضجيج الأول. هذه الخطوة لم تصدر منا نحن، لكنها تصب في مصلحتنا تماماً. فعندما يشتد الضغط المجتمعي والقانوني على المرء، يبدأ في ارتكاب الأخطاء القاتلة، وعمّكِ قد بدأ بالفعل في الانزلاق.
ثم أطلعتني على وثيقة تحويل مالي غامضة، وتوقيع غير متطابق مع الأوراق الرسمية، ورسالة بريد إلكتروني كان الرجل يعطي فيها تعليمات مرتبكة ومرتجفة بدافع الخوف والذعر. بدا لي أن كل شيء ينهار من حولهم بسرعة فائقة تفوق كل ما تخيلته.
دخلتْ أمي إلى المكتب في منتصف الاجتماع، وكانت في كامل أناقتها وهيبتها كالعادة، ووضعت مجموعة من المفاتيح على الطاولة.
قالت لي هذه السيارة لكِ. لن تستقلي سيارات الأجرة بعد اليوم بينما هم يبحثون عنكِ في كل مكان.
نظرتُ إليها دون أن ألمس المفاتيح وسألتها لماذا تفعلين كل هذا؟
وقفت صامتة لثانية واحدة قبل أن تجيب لأن خطئي الأكبر كان ظني بأن تربيتكِ على الصبر والتحمل ستحميكِ من غدر الناس، لكنني رأيت بأم عيني أن ذلك لا ينفع. والآن، عليكِ أن تتعلمي شيئاً آخر.
هل أتعلم كيف أدمر الآخرين؟
بل كيف لا تسمحين لأحد بتدميركِ.
أردتُ أن أسألها لماذا لم تكن تعرف كيف تتحدث معي بهذه الطريقة من قبل، دون إلقاء الكلمات الحادة كالسكاكين. أردتُ ومواجهتها بكل صمت عشته معها، وبكل جفاء وببرودها الذي طالما جعلني أشعر بأنني مجرد مشروع تديره وليست ابنة تحبها. لكن شيئاً ما منعني؛ ليس لأنني سامحتها، بل لأنني أدركتُ أن هذا العتاب يخص وقتاً آخر، وليس هذه اللحظة بالذات.
في ذلك اليوم، وبعد خروجي من مكتب المحامية، قدتُ السيارة بمفردي وتوجهتُ نحو البناية التي كنت أعيش فيها مع مصطفى. لم أكن أخطط للصعود إلى الشقة، بل أردتُ فقط رؤية المكان من الخارج، لأتأكد لنفسي أن ذلك السكن ما زال قائماً ولكنني لم أعد أنتمي إليه.
أوقفتُ السيارة في الجهة المقابلة.
كانت الستائر البيضاء لا تزال معلقة في النوافذ.
وكانت سيارة عمي الرباعية الدفع تقف في مكانها المعتاد أيضاً.
أطفأتُ المحرك وظللتُ أحدق في صمت.
وفجأة، رأيتُ عمتي تخرج من باب البناية أولاً، وكانت تبكي بحرقة حقيقية هذه المرة، وليس كدموعها المصطنعة السابقة. وخلفها خرج عمي وهو يتحدث بنبرة حادة ومتوترة عبر الهاتف، وكان يبدو منهاراً وعلامات العرق والاضطراب واضحة عليه. وخلفهما تماماً، سار مصطفى.
لم يكن يحمل تلك الملامح الواثقة ولا مظهر الابن المطيع المستكين الذي كان عليه وهو بين والديه؛ كانت ثيابه مجعدة، ولحيته غير حليقة، ووجهه مكسوراً بمزيج من الخوف والإنهاك. نظر باتجاه الشارع، ولثانية واحدة، التقت عيناه بعيني عبر زجاج السيارة الأمامي.
تجمد في مكانه.
وتجمدتُ أنا أيضاً.
لا أعلم ما الذي رآه في عيني؛ ربما رأى المرأة التي ظن أنه كسر كرامتها وأذلها في غضون أسبوع، أو ربما ظن أن الحمقاء قد عادت إليه زاحفة تبكي وتحمل في يدها بطاقة المال، أو ربما رأى أخيراً إنساناً لم يعد قادراً على التحكم به أو خداعه.
بدأ يسير نحو سيارتي.
بخطوات بطيئة في البداية.
ثم أسرع في مشيه.
لم أشغل المحرك.
ولم أنزل زجاج النافذة.
تركته يقترب فحسب.
وعلى بعد خطوتين من باب المقعد المجاور لي، رفع يده كأنه يطلب مني مهلة، أو يستجدي رحمة، أو يرجو حديثاً... أي شيء. وتحركت شفتاه لتنطق باسمي.
ولكن قبل أن تلمس يده زجاج النافذة، توقفت سيارة أخرى خلف سيارتي مباشرة.
سيارة سوداء فارهة.
من نفس الطراز الذي أقلتني فيه أمي من أمام المحكمة الشرعية.
راقبتُ الموقف عبر المرآة الجانبية ورأيتُ الباب الخلفي يفتح ببطء.
وكان الشخص الذي ترجل منها كفيلاً بجعل مصطفى يتجمد ويسقط في يده وسط الشارع.
لم أستطع رؤية وجهه بوضوح من مكاني.
كل ما رأيته هو بدلة رسمية سوداء وحذاء فاخر شديد الأناقة، ويحمل تحت ذراعه مظروفاً ورقياً سميكاً يغص بالملفات.
تراجع مصطفى خطوة إلى الوراء وعلامات الوجوم تعلو وجهه.
وفي نفس اللحظة، اهتز هاتفي المحمول برسالة نصية وصلتني من أمي.
لم تكن تحتوي سوى على بضع كلمات
إياكِ أن تنزلي من السيارة. أنتِ حتى الآن لا تعلمين من هو الشخص الذي دخل اللعبة للتو.
أمسكتُ بالهاتف وقرأتُ رسالة أمي مرتين، ونبضات قلبي تكاد تسمع في أرجاء السيارة. التفتُّ ببطء أنظر عبر المرآة الجانبية إلى ذلك الرجل الغامض الذي ترجل من السيارة السوداء. كان يمشي بثقة وهدوء واثق، يرتدي ساعة ذهبية ثقيلة، ملامحه صارمة وعيناه حادتان كالصقر.
ما إن رآه عمي حتى شحب وجهه تماماً، وأنزلت عمتي يدها عن وجهها وتوقفت عن البكاء من شدة الصدمة. أما مصطفى، فقد تراجع خطوات إلى الوراء وكأنه رأى شبحاً، وامتقع لونه كمن حُكم عليه بالإعدام.
تقدم الرجل نحوهم، ولم يلتفت إليّ أو إلى سيارتي بتاتاً. وقف أمام عمي مباشرة، وبكل برود، مد يده وسلمه المظروف الورقي السميك. لم ينطق بكلمة واحدة؛ مجرد نظرة ثاقبة جعلت عمي يرتجف وهو يتسلم الأوراق بيدين مرتعشتين.
ثم استدار الرجل، وركب سيارته وانطلق مسرعاً، تاركاً خلفه عائلة مصطفى في مهب الريح.
فتحتُ الرسائل فوراً وكتبتُ لأمي من هذا؟ وما الذي يحدث؟
جاءني الرد سريعاً وصادماً هذا المفتش العام وهيئة النزاهة. المظروف الذي استلمه عمكِ الآن هو قرار حجز تنفيذي رسمي على كل أموالهم وعقاراتهم، ومنعهم من السفر بتهمة التزوير وغسيل الأموال بالتواطؤ مع والد ريم. لقد سقطوا جميعاً.
نظرتُ عبر الزجاج؛ كان عمي قد سقط على ركبتيه في وسط الشارع والأوراق متناثرة حوله، بينما كانت عمتي تصرخ بهيستيريا وتلطم على خديها. أما مصطفى، فقد التفت نحوي مجدداً وعيناه تملأهما دموع الرعب. جرى نحو سيارتي كالمجنون، وأخذ يطرق الزجاج بعنف ويصرخ بصوت مبحوح مريم! أرجوكِ افتحي الباب! دمرونا! سيأخذون كل شيء! أرجوكِ ساعديني، أنتِ أملي الوحيد، مال أمكِ ينقذنا!
كان ينظر إليّ وكأنه يغرق، يستجدي المال حتى في اللحظة التي تنهار فيها عائلته.
نظرتُ إليه بنظرة أفرغتُ فيها كل شهور القهر والذل، نظرة لم يكن فيها غضب، بل كان فيها موت لمشاعري تجاهه بالكامل. لم أنطق بكلمة، ولم ينبض قلبي شفقاً عليه. بكل هدوء، مددتُ يدي، أدرتُ مفتاح المحرك، وضغطتُ على دواسة البنزين.
تحركت السيارة ببطء أولاً، فتراجع مصطفى وهو يصرخ باسمي ويلهث خلفها، لكنني زدتُ السرعة وتركته يختفي في مرآتي الخلفية، ضئيلاً، مهزوماً، ووحيداً وسط حطام جشعه.
قُدتُ السيارة في شوارع بغداد، والنسمات الدافئة تلفح وجهي من النافذة شبه المفتوحة. شعرتُ بثقل غريب
ينزاح عن صدري مع كل متر أبتعد فيه عن ذلك الحي.
اتصلتُ بأمي قائلة لقد انتهى الأمر. مصطفى وعائلته خسورا كل شيء.
أجابتني بنبرتها الجافة، ولكن هذه المرة كان فيها مسحة من الفخر خفتت خلف برودها المعتاد بل الآن بدأ الأمر يا مريم. غداً صباحاً، سنلتقي في المصرف لنقل الأصول وبدء الاستثمارات الجديدة باسمكِ. لقد علمتكِ الحياة درساً قاسياً، لكنكِ خرجتِ منه وأنتِ تملكين نفسكِ... وتملكين ستة ملايين دولار.
أغلقتُ الهاتف وابتسمتُ لأول مرة من أعماق قلبي. نظرتُ إلى أمامي نحو الطريق الطويل الممتد، وعلمتُ أنني لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي تطلب السند من الرجال؛ فمن الآن فصاعداً، أنا السند لنفسي، والماضي الذي خلفته وراء بوابات المحكمة لن يعود أبداً.