كل ما اعمل لقمة لحماتي تقول الأكل مالح
اليوم الخامس حتى الشوربة مالحه!
اليوم السادس السلطة مالحه!
وصلت لدرجة إني عملت بيض
مسلوق ومُطجن من غير نقطة صلصة صويا ولا أي حاجة وبرضه قالتلي مالح!
هنا أنا فعلاً بدأت أشك في عقلي وتذوقي.
في الإجازة، سحبت مصطفى على المطبخ، وطلعت كل البطرمانات على الرخامة
الملح.
الفلفل.
الصويا صوص.
الدبس.
المرقة.
بقيت أمسك بطرمان بطرمان وأقرا المكونات بتركيز.
مصطفى سَند على التلاجة وهو مكسوف ومش عارف يضحك ولا يزعل
ولاء.. انتي بتطبخي ولا بتعملي رسالة دكتوراه في الكيميا؟
ما قدرتش أبتسم حتى
مصطفى.. طنط ست كبيرة والضغط والملح خطر عليها.
قرب مني وأخد بطرمان الملح من إيدي بالراحة
انتي اصلاً بتحطي ملح لا يذكر !
قلت بقلة حيلة
بس هي كل يوم بتقول مالح!
سكت شوية وبعدين قال
بكرة هاخدها ونروح للدكتور نعمل تحليل وظايف ونطمن على التذوق والضغط.
وافقته.. بس هي رفضت قاطع!
قالت إنها صحتها زي الفل ومافيهاش الهوا.. ومسكت إيدي وطبطبت عليا
يا ولاء يا بنتي، أنا مش بعيب في أكلك ولا بقلل منك.. ما تشيليش في خاطرك.
قلت لها إني مش زعلانة ولله انا عيزاكي تاكلي لقمه حلوه
و في نفس الليلة دخلت على أمازون واشتريت المعلقة المعيارية الرقمية اللي بتحسب الملح بالجرام!
أول ما وصلت، كنت حاسة إني ماسكة طوق النجاة.
غسلتها ونشفتها وحطيتها جنب بطرمان الملح.
بقيت قبل ما أحط أي ملح، أوزن بالظبط!
الأحد بطاطس 0 9 جرام.
الإثنين كفتة 0 7 جرام.
الثلاثاء
بيض 0 3 جرام.
قلت المرة دي مستحيل يكون فيه غلطة!
رجعت بالليل، لقيتها قاعدة بتتفرج على التلفزيون
شفنا طنط وهي بتقوم بصعوبة، تفتح درج المطبخ، وتطلع منه علبة مخلل ليمون وزيتون كانت شرياها من بره ومخبيَاها في أخر الدرج ورى العلب!
مسكت ليمونة مخللة، وحطت منها حتة كبيرة في بقها مع كل معلقة أكل بتاكلها من الأكل العادم اللي أنا عاملاه! كانت بتاكل المخلل بشراهة غريبة، وكأنها بتدور على أي طعم قوي يكسر حالة العُدم والوحدة اللي عايشة فيها، أو يمكن ضغطها كان ببيوطى جداً من كتر القعدة لوحدها والتفكير!
وبعد ما خلصت أكل، مسحت إيدها، ورجعت علبة المخلل مكانها في أخر الدرج، وغسلت بقها بمية كتير عشان ما نشمش ريحة المخلل لما نرجع!
اتاريها طوال الأيام اللي فاتت، كانت بتاكل الأكل المظبوط اللي أنا بعمله، وتاكل معاه مخلل حادق جداً من ومانا، فاليقمة كلها في بؤها تتحول لكتلة ملح! ولما نيجي نسألها بليل، كانت بترد
بعفوية شديدة بناءً على الطعم اللي فضل في بؤها من المخلل، وفي نفس الوقت كانت بتتكسف تقول إنها أكلت مخلل عشان عارفة إننا بنخاف على ضغطها وبنمنعها منه!
مصطفى حط إيده على وشه وقعد يعيط بصوت واطي.. كان حاسس بذنب رهيب. الذنب مش إننا أثرنا معاها في الأكل، الذنب إننا سيبناها للوحدة تتآكل فيها طول النهار لدرجة إنها بتدور على طعم يرجع لها ذكريات زمان، أو يسلّيها في الأربع حيطان!
في ساعتها، قفلت الموبايل، وقمت من جنب مصطفى.
مسحت دموعي، ودخلت المطبخ.. فتحت الدرج، وطلعت علبة المخلل.
مشيت بخطوات هادية وراحت أوضتها، فتحت الباب بالراحة لقيتها قاعدة على السرير بتسبح في الضلمة.
قعدت جنبتها على طرف السرير، وحطيت علبة المخلل في حجرها.
طنط برقت بذهول واتحرجت جداً وقالت بصوت لجلج: "ولاء.. انتي.. انتي لقيتي العلبة
دي فين؟ والله يا بنتي أنا..."
مسكت إيدها وبستها بحرارة، وقلت لها والنبرة طالعة بالعافية من خنقة الزور:
"حقك عليا يا طنط.. حقك عليا يا أمي. أنا اللي آسفة إني سبتك طول اليوم لوحدك.. آسفة إننا افتكرنا إن علبة أكل سخنة في الميكرويف هي كل اللي انتي محتاجاه."
طنط بصتلي والدموع اتجمعت في عينها، ومصطفى دخل الأوضة وقعد الناحية التانية، حضن إيدها وقبل رأسها وقال:
"يا أمي.. لو الأكل عادم من غير بابا، ومُر من غير لمتنا.. فحقك علينا. من بكرة مفيش قعدة لوحدك تاني."
اتفقنا من ليلتها على نظام جديد خالص..
مصطفى كلم شركته وضبط معاهم إنه يشتغل يومين في الأسبوع من البيت (Work from home). وأنا قدمت طلب في شركتي ونقلت فرع أقرب للشقة وبيخلص بدري ساعة.
والأهم من ده كله.. اتصلت بأختها (خالتو هدى) وبقيت أعمل لها عزومة
كل أسبوع تيجي تقعد معاها بالنهار، واتفقنا مع جارتنا اللطيفة في الدور الأرضي تدخل تشرب معاها الشاي الظهرية.
وتاني يوم.. وقفت في المطبخ، بس المرة دي ما مسكتش معلقة رقمية ولا وزنت ملح بالجرام.
طبخت صينية بطاطس بالفراخ، وحطيت الملح بالمناسبة والبركة زي ما أي ست بيت مصرية بتعمل.. وحطيت جنبها طبق مخلل صغير مخدوم صح!
ولما قعدنا كلنا نتغدى مع بعض بالليل، واللمة دافية والضحكة مالية المكان، أخدت طنط أول معلقة.. بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها وقالت:
"الله يسلم إيديكي يا ولاء يا بنتي.. الأكل النهاردة.. سكر عسل، ومظبوط بالتمام والكمال!"
عرفت ساعتها إن الأكل عمره ما كان محتاج معايير ولا جرامات.. الأكل كان محتاج بس "لمة ونََفَس طيب".. والملح الحقيقي اللي بيظبط طعم الحياة، هو وجود الناس اللي بنحبهم
جنباً إلى جنب.