لمدة ست سنين، كنت بدفع في السر فاتورة المية يتاعة جارتي اللي كانت عندها 84 سنة

لمحة نيوز

فتح أحمد الجواب.
ابني العزيز أحمد،
لو إنت بتقرأ الكلام ده، فغالبًا أقنعت نفسك إن حد هو اللي قلبني عليك.
بس محدش عمل كده.
أنا غيرت وصيتي لأنك بدأت تتعامل مع حياتي وكأنها ملكية لازم تتقسم، مع إن حياتي لسه ما خلصتش.
بقيت تسألني عن سعر البيت أكتر ما بتسألني إذا كنت بنام كويس ولا لأ. واعتبرت الفلوس اللي أخدتها مني سُلفة، مع إنك ما طلبتش إذني أصلًا قبل ما تاخدها.
ولما اعترضت، قلت لي إني بقيت مش فاهمة في الفلوس.
بس أنا كنت فاهمة كويس جدًا.
كنت فاهمة إن ابني خايف، لأن شغله كان بيمر بأزمة. وكنت فاهمة كمان إن الحب مش معناه إن من حق أي حد ياخد حاجة أنا ما عرضتهاش عليه.
أنا ما غيرتش خططي علشان بطلت أحبك.
غيرتها لأن الحب مش المفروض يخليني أتنازل عن كرامتي.
ما تضيعش عمرك وإنت بتحاول تبرر اللي عملته.
اقضيه وإنت بتحاول تبقى شخص ما يعملش نفس الغلط تاني.
أمك.
نزل أحمد الجواب من إيده.
قال
هي كانت عارفة؟
الأستاذ خالد رد
أيوه.
سأله أحمد بصوت مكسور
من إمتى؟
قال المحامي
من سنة 2021.
قفل أحمد عينيه.
قبلها بشهور، كانت مريم حكيت لي عن الفلوس وهي قاعدة على ترابيزة مطبخي.
قالت لي وقتها
حاسّة إن ابني زعلان مني.
سألتها
ليه؟
قالت
علشان بطلت أبقى مفيدة بالنسباله.
وبدأت تحكي لي إن مكالمات أحمد اتغيرت بعد ما شغله بدأ يخسر. بقى يسألها عن البيت، وعن فلوسها، وعن وصيتها.
وبعدها بدأ يحول فلوس من حسابها وهو اللي كان متحكم فيه.
سألتها
طب ليه ما بلغتيش عنه؟
قالت
ده ابني.
قلت لها
ده مش إجابة على سؤالي.
بصت قدامها وقالت
دي إجابة على كل الأسئلة اللي الأم بتخاف تجاوب عليها بصراحة.
وفي نفس الليلة، مريم قالت لي حاجة ما فهمتهاش وقتها.
قالت
أحمد مش ابني الوحيد اللي قصرت معاه.
بصيت لها باستغراب وقلت
يعني إيه؟
بصت بعيد وقالت
دي حكاية تانية ليوم تاني.
لكن اليوم ده ما جاش.
ودلوقتي، أحمد كان واقف على باب بيتي، والجواب بتاع أمه بيرتعش في إيده.
قال
أنا كنت بحبها.
صدقته.
وده كان أكتر جزء وجعني.
لأن الإنسان ممكن يحب حد، وفي نفس الوقت يجرحه.
ممكن يفضل يقول لنفسه إنه هيصلح كل حاجة بعدين، وفجأة يكتشف إن كلمة بعدين نفسها خلصت، وإن الفرصة ما بقتش موجودة.
قلت له
أنا عارفة إنك كنت بتحبها. بس الحب مش بس إحساس جواك. الحب كمان أفعال بتعملها.
أحمد مشي مع المحامي.
وبعد أسبوعين، اتصلت بي الأستاذة ليلى، محامية مريم اللي كانت مسؤولة عن وصيتها.
قالت لي
مدام نادية، اسمك موجود في وصية مريم.
اتوترت وسألتها
هي سابت لي إيه؟
قالت
البيت.
قمت من على الكرسي بسرعة لدرجة إن الكرسي اتحرك واحتك بالأرض.
قلت
لأ.
قالت
مفيش أي غلط.
قلت لها
أنا مقدرش أقبل بيتها.
قالت
اقري جوابها الأول وبعدها قرري.
تاني يوم الصبح، قابلتني الأستاذة ليلى عند بوابة بيت مريم، وناولِتني المفتاح.
دخلت البيت.
كانت ريحته لسه فيها ريحة لافندر خفيفة.
كارديجان مريم كان متني ومحطوط على كرسي.
ونضارتها كانت جنب لغز الكلمات المتقاطعة اللي كانت بتشتغل عليه ولسه مخلصتوش.
وعلى ترابيزة المطبخ كان فيه ظرف، مكتوب عليه اسمي الأول بس.
نادية.
فتحته.
عزيزتي نادية،
غالبًا لحد دلوقتي إنتِ مصدقة إني عمري ما عرفت مين اللي كان بيدفع فاتورة الميه بتاعتي.
في آخر شتوية في حياتي، اتصلت بشركة الميه علشان كنت فاكرة إن جوزي سايب فلوس في حساب أنا نسيته.
الموظف رفض يقول لي مين اللي كان بيدفع الفاتورة، لكن أنا ما كنتش محتاجة أعرف منهم.
كان فيه شخص واحد بس عنيد كفاية إنه يساعدني لمدة ست سنين، وهادئ كفاية إنه عمره ما يتكلم عن اللي بيعمله.
إنتِ.
أنا ما واجهتكيش علشان كنت عارفة إنك لو عرفتي إني اكتشفت، هتوقفي.
الناس بتتخيل إن الخير لازم يكون حاجة كبيرة وواضحة.
لكن أغلب الخير بيحصل في هدوء.
إنك تلاحظي إن نور البلكونة مطفي.
إنك تاخدي بالك إن الستارة بقالها كام يوم ما اتفتحتش.
إنك تخبطي على الباب من غير ما تخلي اللي جواه يحس إنه عاجز أو محتاج.
إنتِ خدتي بالك مني.
أحمد بيحبني، بس قضى وقت طويل جدًا وهو بيحاول يحافظ على اللي أنا أملكه، لدرجة إنه نسي يحافظ على الإنسانة اللي جوه البيت.
إنتِ عملتي العكس.
خلتيني أفضل مريم.
مش حمل على حد، ولا حساب بنكي، ولا ميراث مستنيه حد.
بس مريم.
أنا سايبة لك البيت لأنك فهمتي ليه أنا كنت محتاجة أفضل فيه.
ما تديهش لأحمد.
أنا مش بحاول أعاقبه.
أنا محتاجة يفهم إن العيلة مش بتثبت نفسها بالميراث.
العيلة بتثبت نفسها بالحضور والسؤال والوقفة وقت الحاجة.
أنا كمان عملت صندوق صيانة مخصص فيه 65 ألف جنيه علشان الإصلاحات، والتأمين، والضرائب، وأي تعديلات تخلي البيت أسهل وأأمن لكبار السن.
ولو تقدري، خلي البيت مكان الناس اللي حاسين إن محدش شايفهم فيه يلاقوا حد ياخد باله منهم.
خلي الجيران الكبار يقعدوا يشربوا شاي وقهوة من غير ما يضطروا يعترفوا إنهم وحيدين.
وخلي الأطفال ييجوا يقروا بعد المدرسة.
وخلي أي حد يقدر يقعد على البلكونة من غير ما يضطر يشرح هو جه ليه.
البيت هيبقى ببساطة عنوان للخير اللي إنتِ بتعمليه.
افتحي الشبابيك.
وخلي نور البلكونة منور.
وبلاش تنسي الورد.
بحبك،
مريم.
قعدت على ترابيزة مطبخها وعيطت.
ولما قدرت أخد نفسي، خرجت بره.
لقيت أحمد واقف على البلكونة.
كان اتصل بيا قبلها وطلب مني أسمح له ييجي.
قال لي
أنا قلت للأستاذ خالد ما يكملش أي اعتراض على الوصية. وكمان وقعت على اتفاق إني هرجع الفلوس للتركة.
قلت له
دي بداية كويسة.
بص ناحية البيت وقال
أنا آسف يا نادية.
وبعدين قال
أنا كنت عارف سعر البيت. وعارف الضرائب اللي عليه، وعارف الأرض ممكن تجيب كام لو اتباعت لمقاول.
سكت شوية وكمل
بس ما كنتش أعرف إن أمي كانت بتخاف من صوت الرعد.
ما رديتش.
قال
كنت عارف قيمة البيت، ونسيت قيمة الست اللي عايشة جواه.
قلت له
هي عمرها ما بطلت تحبك.
قال
يا ريت كانت وثقت فيا.
رديت
هي كانت نفسها تثق فيك.
مسح عينه وقال
أنا مش عايز البيت. بس عايز أساعد في اللي هي كانت مخططاله.
قلت له
إنت ساكن بعيد.
قال
أنا كنت بسافر مسافات أبعد علشان اجتماعات شغل ما بقيتش حتى فاكرها. أقدر أسافر هنا علشان حاجة ليها معنى.
وفعلًا، قضينا السبعة شهور اللي بعد كده وإحنا بنحول بيت مريم لمكان صغير يخدم أهل المنطقة.
السقف كان بيسرب ميه، وسور البلكونة كان محتاج يتصلح، والكهربا كلها كانت محتاجة تتجدد.
عملنا جمعية خيرية، وطلعنا تأمين للبيت، واتفقنا مع الحي علشان نخلي المكان آمن ومناسب لكبار السن.
أحمد رجّع مبلغ ال ألف و جنيه، والفلوس دخلت في صندوق الصيانة المخصص للبيت.
الجيران ساعدوا بعلب الدهان، والأثاث، والكتب، ووقتهم.
عم حسن، اللي كان ساكن قدامنا، صلح سور البلكونة، ومدرسة على المعاش رتبت أوضة صغيرة للقراءة.
وحطينا لافتة خشب بسيطة جنب البوابة، مكتوب عليها
بلكونة مريم
في يوم افتتاح المكان، وصل 12 شخص.
كان فيهم راجل أرمل بقاله سنين ما قعدش يشرب قهوة مع حد من بعد ما مراته ماتت.
وأم شابة كانت محتاجة مكان آمن تسيب فيه ولادها يقروا ويذاكروا.
ومدرسة على المعاش عرضت إنها تدي دروس مجانية.
وكمان شاب صغير كان محتاج مكان هادي يذاكر فيه بعيد عن

تم نسخ الرابط