لمدة ست سنين، كنت بدفع في السر فاتورة المية يتاعة جارتي اللي كانت عندها 84 سنة
دوشة البيت.
الستاير كانت بتتفتح كل صباح.
ونور البلكونة كان بينور كل مساء.
وبعد مرور سنة بالظبط على وفاة مريم، وصلت ست وهي شايلة صورة قديمة.
عرفت نفسها وقالت
أنا سارة.
كانت الصورة فيها مريم وهي تقريبًا عندها 45 سنة، واقفة جنب بنت صغيرة عندها حوالي سبع سنين، لابسة بلوفر أحمر.
بصت سارة للصورة وقالت
البنت دي أنا. مريم كانت الوصية القانونية عليا لمدة تمان سنين.
أحمد بص لها بصدمة وقال
أمي هي اللي ربتك؟
هزت سارة راسها.
أيوه.
وقت انفصال والدين أحمد عن بعض، كان أحمد عنده 21 سنة، وكان بيشتغل على سفن الشحن وبيسافر كتير.
وقف وقتها في صف أبوه، وخلى بيت أبوه هو عنوانه الدائم، وما زارش مريم ولا مرة خلال ال سنين اللي حصلت فيها القطيعة بينهم.
وفي نفس الوقت، مريم بقت الوصية القانونية على سارة.
والدة سارة الحقيقية كانت واحدة من طالبات مريم، ولما سارة كان عندها سبع سنين، دخلت والدتها في علاج طويل، ومقدرتش ترعاها.
ولما سارة وصلت ل سنة، خالتها اللي كانت عايشة في بلد تاني واستقرت ظروفها المادية أخيرًا، قدرت تاخد حضانتها.
لكن بعد شهور قليلة، الخالة اتجوزت تاني وانتقلت لمكان تاني، من غير ما تسيب لمريم عنوان أو وسيلة تعرف تتواصل بيها معاهم.
سارة فضلت تبعت جوابات لبيت مريم.
لكن في الوقت ده كان جوز مريم رجع يعيش معاها.
وكان بيخبي الجوابات اللي سارة بتبعتها.
وكمان كان بيخفي الجوابات اللي مريم كانت بتبعتها لأحمد عن طريق عنوان أبوه.
سارة افتكرت إن مريم اختارت جوزها وقررت تتخلى عنها.
ومريم كانت فاكرة إن سارة هي اللي قررت تنساها.
وبعد وفاة جوزها، مريم لقت الجوابات المستخبية في آخر درج من مكتبته.
ولما بدأت تدور على سارة، الموضوع أخد منها سنين، لأن اسم عيلتها كان اتغير، وسجلات الوصاية كانت مقفولة ومحدش يقدر يطلع عليها بسهولة.
وفي النهاية، قدروا يتواصلوا تاني سنة 2022.
ومن يومها، كانوا بيتكلموا كل يوم أحد.
أحمد سألها
ليه ما جيتيش جنازتها؟
ردت سارة
كنت واقفة بعيد عند المقابر، بس ما كنتش مستعدة أشرح أنا مين وسط خناقة على الميراث.
سألها
طب ليه جيتي دلوقتي؟
قالت
قبل ما مريم تموت، ادت للأستاذة ليلى بيانات التواصل بتاعتي، وسمحت لها إنها تبلغني لو حصل أي اعتراض على الوصية، وتقول لي البيت بقى عامل إزاي.
بصت سارة حوالين المكان وقالت
أنا استنيت لحد ما موضوع الميراث خلص، ولحد ما حسيت إنك بقيت مستعد تسمع الحقيقة.
وبعدين حطت على الترابيزة مجموعة كبيرة من الجوابات.
أحمد فتح أول جواب.
وكان مكتوب فيه
ابني أحمد،
في بنت اسمها سارة عايشة معايا. عندها سبع سنين، ومش بتحب البسلة، ومقتنعة إن كل الكلاب في السر بتفهم كلامنا.
هي شافت ناس كبار كتير يخرجوا من حياتها، وأنا بحاول أكون الشخص اللي يفضل موجود.
نفسي في يوم من الأيام تقابلها.
أحمد غطى وشه بإيديه وعيط.
سارة حطت إيدها على كتفه.
ولا أحمد ولا سارة كانوا السبب في السر اللي اتخبى عنهم السنين دي كلها.
لكن الاتنين عاشوا سنين وهما بيدفعوا تمنه.
ومن يومها، سارة بقت جزء من بلكونة مريم.
كانت بتيجي كل ما تقدر، وعملت برنامج لمساعدة العائلات اللي بترعى كبار السن وبتحاول توفر لهم حياة أهدى وأكرم.
وأحمد بقى ييجي معظم أيام الأحد.
ساعات كان بيصلح حاجة في البيت.
وساعات كان بيعمل القهوة.
وساعات كان بيقعد على البلكونة من غير ما يعمل حاجة، بس يحكي حكايات عن أمه.
وبعد خمس سنين، الأستاذة ليلى جابت صندوق خشب، وكانت مريم موصياها ما تسلمهولهمش غير لما المكان يعدي خمس سنين ويثبت إنه مستمر.
جوه الصندوق كان فيه مئات الورق الصغيرة.
واحدة مكتوب عليها
الحاجة فاطمة بتحب شاي الفراولة. افتكري عيد ميلادها.
وواحدة تانية
عم حسن بيتظاهر إنه مش وحيد. اعزميه على الغدا من غير ما تخليه يحس إنك بتتصدقي عليه.
وواحدة
سارة، فضلي فكريها إنها كانت محبوبة، لحد ما تصدق ده بنفسها.
وواحدة
أحمد، ما تبطليش تأملي إنه يتغير.
وبعدين لقيت ورقة مكتوب عليها اسمي.
نادية جابر، بتساعد كل الناس إلا نفسها. فكريها إن قبول الخير من الناس مش دين لازم تسدده.
وتحت كل الورق ده، كان فيه جواب أخير.
عزيزتي نادية، أحمد، وسارة،
لو إنتوا بتقروا الجواب ده، يبقى البيت لسه مليان بالناس.
نادية، إنتِ ما اديتينيش ميه وبس.
إنتِ اديتيني كرامتي.
أحمد، لما يكون الندم علمك اللي محتاج تتعلمه، سيبه وراه.
الإحساس بالذنب ملوش قيمة لو ما غيرش طريقتك في معاملة الناس اللي لسه عايشين.
سارة، كان المفروض أحارب أكتر علشان أفضل في حياتك.
إنتِ عمرك ما كنتِ منسية، وعمرك ما كنتِ من غير حب.
الدنيا مليانة ناس مستنيين حد ياخد باله منهم.
ما تستناش فرصة كبيرة علشان تعمل خير.
خبط على باب.
اعرف اسم حد.
نور لمبة بلكونة.
وشكرًا إنكوا شفتوني.
ودلوقتي، خليكوا دايمًا شايفين بعض.
بحبكم،
مريم.
أنا كبرت دلوقتي.
شعري شاب، وخطواتي بقت أبطأ، لكن لسه كل صباح بفتح الستاير في بلكونة مريم.
ناس كتير بتسألني
مريم سابت لكوا إيه؟
وبيكونوا مستنيين أقول البيت أو الفلوس.
بس هما غلطانين.
مريم سابت لنا وعد.
وعد إن أي شخص يدخل بيتها، عمره ما هيتعامل كأنه مش موجود.
علمت أحمد إن الحب حاجة بنمارسها كل يوم، مش حاجة بنورثها.
وعلمت سارة إن البُعد والسنين اللي فاتت مش معناهم إن الإنسان فقد مكانه في قلب حد.
وعلمتني إن قبول الخير من الناس ممكن يكون مهم زي تقديم الخير ليهم.
وكل الحكاية دي بدأت بورقة تحذير صغيرة على الباب، وفاتورة ميه ب جنيه.
أنا ما أنقذتش مريم.
أنا بس أخدت بالي منها.
وساعات، دي بتكون أعظم هدية ممكن إنسان يقدمها لغيره
أنا شايفك.
إنت مهم.
إنت مش لوحدك.
وكل مساء، لما نور البلكونة بينور وسط الجناين، البيت اللي جنب بيتي بيمتلئ بأصوات الناس، وخطواتهم، وضحكهم، وحكاياتهم.
وبفضل مريم، عمر البيت ده ما هيفضى تاني.