طفلة صغيرة مصابة بمتلازمة داون أمسكت بيدي
المحتويات
قال
إذن كانت زينب تعرفها فعلًا.
لم أنم تلك الليلة.
كلما أغلقت عيني رأيت الصورة من جديد.
كيف وصلت زينب إلى تلك الدار؟
ولماذا لم تخبرني يومًا؟
ولماذا كانت صورة مريم داخل صندوق أخفته في العلية؟
وفي الصباح الباكر عدت إلى دار الرعاية.
هذه المرة وحدي.
لم أخبر حسام. ولم أتصل بأحد.
كنت أشعر أن هناك خيطًا رفيعًا بدأ يظهر أخيرًا.
وإذا تركته الآن فسأفقده للأبد.
عندما وصلت فوجئت بانزعاج واضح على وجه المديرة.
ابتسامتها كانت موجودة.
لكنها بدت مجبرة. وقالت
لم أتوقع رؤيتك بهذه السرعة.
أجبتها
أردت قضاء بعض الوقت مع مريم.
ترددت لثوانٍ. ثم قالت
بالطبع.
وجدت مريم في غرفة الأنشطة.
كانت تجلس وحدها ترتب قطعًا ملونة فوق الطاولة.
وعندما رأتني نهضت فورًا.
ابتسمت.
لكن ابتسامتها اختفت عندما لاحظت أنني أحمل شيئًا في يدي.
اقتربت منها.
وأخرجت الصورة القديمة.
ثم وضعتها أمامها بهدوء.
في البداية ظلت تنظر إليها بصمت.
ثم اتسعت عيناها فجأة.
وأمسكت الصورة بكلتا يديها.
وقالت دون تردد
زينب.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لم تقل ربما.
لم تتردد.
عرفتها فورًا.
جلست أمامها وسألت
هل تتذكرينها؟
ابتسمت مريم ابتسامة مختلفة هذه المرة.
ابتسامة حقيقية.
وقالت
كانت تأتي.
كثيرًا؟
هزت رأسها بحماس.
كثيرًا جدًا.
ثم أشارت إلى باب الساحة.
كانت تجلس هناك.
توقفت أنفاسي.
وماذا كانت تفعل؟
فكرت مريم قليلًا.
ثم قالت
تعطيني حلوى.
وتغني وتقرأ قصصًا.
أخفضت رأسي.
هذا يشبه زينب تمامًا.
كانت تفعل ذلك مع أطفال العائلة أيضًا.
لكن السؤال الأهم لم يُجب بعد.
سألتها
وماذا حدث بعد ذلك؟
اختفت الابتسامة من وجه مريم وبدأت أصابعها تعبث بحافة الصورة.
ثم همست
زينب بكت.
رفعت رأسي بسرعة.
بكت؟
أومأت.
نعم.
لماذا؟
هزت كتفيها.
لا أعرف.
ثم أضافت
كانت خائفة.
في تلك اللحظة دخلت إحدى الموظفات.
فانكمشت مريم فورًا وعادت إلى الصمت.
كأنها أغلقت بابًا داخل عقلها.
لاحظت الموظفة الصورة.
ثم قالت بسرعة
وقت الغداء يا مريم.
وأخذتها من يدها قبل أن تبتعد التفتت إليّ مريم.
وهمست
الدفتر.
أي دفتر؟
لكن الموظفة كانت قد سحبتها بعيدًا.
وبقيت أنا وحدي.
أفكر.
صندوق أزرق.
صورة قديمة.
والآن دفتر.
شعرت أن زينب كانت تترك لي قطعًا صغيرة من أحجية ضخمة.
وفي طريق خروجي من الدار رأيت رجلًا مسنًا يجلس قرب غرفة الحراسة.
كان يحمل أدوات صيانة.
وعندما رآني سأل
أنتِ أخت زينب؟
تجمدت.
نعم.
نظر حوله بحذر.
ثم قال
كنت أعرفها.
اقتربت منه فورًا.
كيف؟
كانت تأتي كل أسبوع تقريبًا.
لماذا؟
تنهد الرجل.
ثم قال
كانت تحب الأطفال.
لكن بعد فترة بدأت تسأل كثيرًا.
عن ماذا؟
خفض صوته.
عن الأطفال الذين كانت ملفاتهم تتغير باستمرار.
شعرت بأن الأرض تميل تحت قدمي.
ماذا تقصد؟
هز رأسه.
كانت تأتي تسأل عن أطفال تعرفهم.
ثم تعود بعد أيام فتجد أسماءهم اختفت من السجلات.
أو تجد ملفاتهم تغيرت.
وكانت الإدارة تقول إنهم كُفلوا أو نُقلوا إلى جهات أخرى.
سكت للحظة.
ثم أضاف
لكن زينب لم تكن تقتنع دائمًا.
غادرت وأنا أشعر أن صدري يضيق أكثر فأكثر.
وفي تلك الليلة فتحت الصندوق الأزرق مرة أخرى.
هذه المرة فتشته قطعة قطعة.
حتى عثرت في القاع على دفتر صغير قديم.
غلافه ممزق.
وأوراقه صفراء.
وعرفت خط زينب فورًا.
فتحت الصفحة الأولى.
كان فيها أسماء فقط.
أسماء أطفال وتواريخ.
وفي بعض الأسماء كانت تضع دائرة حمراء.
وفي بعضها علامة استفهام.
قلبت الصفحات بسرعة.
ثم بدأت أبطئ.
لأن شيئًا غريبًا ظهر.
بعض الأسماء مكتوب بجانبها
ملفه اختفى اليوم.
وأخرى
قالوا إنه انتقل.
وأخرى
السجل تغير مرة أخرى.
بدأت يداي ترتجفان.
هذه لم تكن ملاحظات عشوائية.
كانت سجلات.
كانت زينب تتابع الأطفال واحدًا واحدًا.
وفي الصفحة الأخيرة تقريبًا وجدت اسمًا جعلني أتوقف.
كريم.
رفعت رأسي ببطء.
ثم عدت أنظر إلى الكلمة.
كريم.
ابن عمتي.
الرجل الذي كان يدير جزءًا من أعمال العائلة.
والذي ظهر بعد وفاة زينب مباشرة وكأنه وصي على كل شيء.
تحت الاسم كانت هناك جملة قصيرة.
جاء اليوم مع المديرة.
قلبت الصفحة التالية فوجدت الاسم نفسه.
كريم مرة أخرى.
وفي صفحة أخرى
كريم أخذ الملف.
شعرت بدقات قلبي تتسارع.
لماذا يتكرر اسمه؟
وما علاقته أصلًا بدار الرعاية؟
في اليوم التالي اتصلت به.
وأخبرته أنني أرتب بعض أوراق زينب القديمة.
ساد صمت قصير.
قصير جدًا.
لكنه كان كافيًا. ثم قال
بعد كل هذه السنوات؟
نعم.
لا فائدة من نبش الماضي يا نادية.
ابتسمت رغم أنني لم أكن أراه.
وقلت
مجرد ذكريات.
لكن صوته تغير.
وقال
زينب رحلت.
اتركيها ترتاح.
أغلقت الهاتف.
وأنا أشعر للمرة الأولى أن كريم لا يخشى الماضي.
بل يخشى ما قد أجده فيه.
في المساء عدت إلى الدفتر وقلبت صفحاته ببطء.
حتى وصلت إلى ظرف ورقي صغير كان مخبأ بين الأوراق.
فتحته.
فوجدت داخله نسخة من وثيقة قانونية.
بدأت أقرأ وفي كل سطر كان وجهي يزداد شحوبًا.
كانت وصية والدي.
لكنها لم تكن النسخة التي أعرفها.. هذه نسخة معدلة.
مؤرخة قبل وفاة زينب بأشهر قليلة فقط.
والأخطر من ذلك أن بندًا كاملًا أضيف إليها.
بند ينص على نقل إدارة جزء كبير من ميراث زينب إلى كريم بحجة عدم قدرتها على إدارة أموالها بنفسها.
توقفت أنفاسي.
لأن زينب لم توافق يومًا على ذلك.
ولأنها كانت ترفض الوصاية أصلًا.
ولأن توقيعها في أسفل الصفحة...
لم يكن يشبه توقيعها الحقيقي.
والأغرب من ذلك أن الصفحة الأخيرة لم تحمل أي ختم تسجيل رسمي.
أغلقت الملف ببطء ونظرت إلى الفراغ أمامي.
الآن لم تعد القضية مجرد دار رعاية.
ولم تعد مجرد طفلة اسمها مريم.
أختي كانت تحقق في شيء ما.
وكريم كان موجودًا في الصورة أكثر مما ينبغي.
أما السؤال الذي جعل النوم يهرب من عيني تلك الليلة...
فكان سؤالًا واحدًا فقط
هل ماتت زينب فعلًا بسبب خطأ طبي
بقيت مستيقظة حتى الفجر.
والوصية المعدلة أمامي.
والدفتر القديم بجانبي.
وصورة زينب ومريم بين يدي.
ولأول مرة منذ خمس سنوات لم أشعر بالحزن فقط.
شعرت بالغضب.
غضب بارد.
هادئ.
وخطر.
لأنني بدأت أرى صورة لم أكن أراها من قبل.
كل طريق أسلكه ينتهي عند اسم واحد.
كريم.
أغلقت الدفتر.
ثم فتحته مجددًا.
وأعدت قراءة كل الصفحات من البداية.
هذه المرة لم أبحث عن الأطفال.
بل بحثت عن كريم.
وكان موجودًا أكثر مما
متابعة القراءة