لم تكن سميرة تتذكر يوما واحدا شعرت فيه بأنها فرد طبيعي داهل عائلتها
عادت سميرة إلى منزلها تلك الليلة وهي تشعر بإرهاق لم تختبره من قبل.
طوال الطريق لم تنطق بكلمة واحدة.
كان سيف يقود السيارة بصمت، بينما كان علي وليلى يجلسان في المقعد الخلفي وقد غلبهما النعاس.
أما هي فكانت تنظر عبر النافذة إلى أضواء بغداد المتناثرة في الشوارع، محاولة استيعاب ما حدث في منزل حيدر.
لم تكن كلمات إخوتها هي ما يؤلمها.
فقد اعتادت سخريتهم منذ سنوات طويلة.
لكن كلمات أمها...
كانت شيئًا مختلفًا.
كنتِ عبئًا ثقيلًا.
ترددت العبارة داخل رأسها مرارًا.
حتى شعرت وكأنها مطرقة تضرب قلبها في كل مرة.
حين وصلوا إلى المنزل، حمل سيف علي النائم إلى غرفته.
أما ليلى فكانت نصف مستيقظة، تتمسك بيد أمها.
انحنت سميرة وقبلت رأسها.
ثم ساعدتها على تبديل ملابسها والنوم.
ظلت تنظر إليها لثوانٍ طويلة.
وجهها الصغير كان هادئًا.
بريئًا.
بعيدًا عن كل ما عاشته هي في طفولتها.
همست
لن أسمح لأحد أن يؤذيكِ أبدًا.
ثم أطفأت الضوء وأغلقت الباب بهدوء.
لكن النوم لم يأتِ بسهولة.
ظلت مستلقية في فراشها تحدق في سقف الغرفة.
الساعة تجاوزت منتصف الليل.
وسيف كان نائمًا بجوارها.
أما هي فكانت تستمع إلى صوت المكيف الخافت وإلى نبضات قلبها المتسارعة.
كلما أغمضت عينيها عادت إليها مشاهد المساء.
ضحكات إخوتها.
نظراتهم.
وصوت أمها القاسي.
تنهدت ببطء.
ثم جلست على حافة السرير.
كانت بحاجة إلى كوب ماء.
فتحت باب الغرفة بحذر.
وكان المنزل غارقًا في الظلام.
سارت نحو المطبخ.
شربت الماء.
ثم استدارت لتعود.
وفي تلك اللحظة...
تجمدت في مكانها.
عند نهاية الممر الطويل المؤدي إلى غرف الأطفال...
كان هناك شخصان يقفان.
شعرت بقشعريرة تجتاح جسدها.
حدقت أكثر.
ثم اتسعت عيناها.
كانا علي وليلى.
وقف الطفلان جنبًا إلى جنب.
لا يتحدثان.
لا يتحركان.
فقط يحدقان فيها.
شعرت سميرة بالخوف فورًا.
في البداية ظنت أنهما استيقظا من النوم.
لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.
كانت ملامحهما جامدة بصورة غريبة.
وعيناهما ثابتتين عليها دون رمشة واحدة.
همست بصوت مرتجف
ليلى؟
لم تجب.
علي؟
لا شيء.
ظلّا واقفين في مكانهما.
ينظران إليها فقط.
بدأ قلبها يخفق بعنف.
أخذت خطوة نحوهما.
ثم خطوة أخرى.
لكنها توقفت فجأة.
لأن شيئًا ما في وجهيهما بدأ يتغير.
في البداية ظنت أنها تتوهم.
لكنها رأت ذلك بوضوح.
رأت لون بشرتهما يصبح أكثر شحوبًا.
ورأت خصلات شعر ليلى مبعثرة وكأنها تعرضت لرياح قوية.
أما علي فبدا وكأن هناك خدوشًا صغيرة على جانب وجهه.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
وشعرت ببرودة تسري في أطرافها.
ثم حدث ما جعل الدم يتجمد في عروقها.
ظهرت بقعة حمراء صغيرة على جبين ليلى.
ببطء شديد.
كأنها تتشكل أمام عينيها.
وبقعة أخرى قرب رقبة علي.
ثم تمزق خفيف في ملابسهما.
وآثار تراب على أيديهما.
كأنهما خرجا لتوهما من حادث مروع.
ارتعشت ركبتا سميرة.
وأحست بأنها عاجزة عن التنفس.
لا...
خرجت الكلمة من فمها همسًا.
لا... لا...
أخذت تتراجع للخلف.
بينما كانت عيناها معلقتين بهما.
لم يكن الطفلان يتحركان.
لم ينطقا بحرف واحد.
فقط يحدقان فيها.
بنظرات باردة ومخيفة لم ترها من قبل.
وفجأة...
اختفى كل شيء.
اختفى علي.
واختفت ليلى.
وعاد الممر فارغًا كما كان.
سقطت سميرة على الأرض.
وأخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة.
كانت يداها ترتجفان بشدة.
أما قلبها فكان يكاد يخرج من صدرها.
بعد دقائق طويلة، دفعت نفسها بصعوبة نحو غرفة الأطفال.
فتحت الباب بسرعة.
وأشعلت الضوء.
كان علي نائمًا في سريره.
وليلى نائمة بجواره.
يتنفسان بهدوء.
كأن شيئًا لم يحدث.
اقتربت منهما.
وضعت يدها على شعر ليلى.
ثم لمست كتف علي.
كانا بخير.
تمامًا.
لم يكن بهما أي خدش.
ولا أي أثر لما رأته قبل دقائق.
جلست على الأرض قرب سريريهما.
وبدأت تبكي بصمت.
كانت تعلم أن ما رأته ليس حقيقيًا.
كانت تعرف ذلك.
لكن الخوف الذي زرعه داخلها كان حقيقيًا تمامًا.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
لم تستطع التخلص من شعور غريب ظل يهمس داخلها طوال الليل.
شعور ثقيل ومبهم.
كأن كارثة ما تقترب.
وكأن الأيام القادمة تخبئ شيئًا أسوأ بكثير مما تستطيع احتماله.
لم تنم سميرة إلا مع اقتراب الفجر.
وحتى عندما غلبها النعاس، ظلت صور علي وليلى بتلك الهيئة المرعبة تطاردها في أحلامها.
كانت ترى وجهيهما الشاحبين كلما أغمضت عينيها.
ترى الخدوش على جبين علي.
وترى الدم على ملابس ليلى.
ثم تستيقظ مذعورة قبل أن تتمكن من الوصول إليهما.
وحين أشرقت الشمس أخيرًا، نهضت من فراشها وكأنها لم تنم أصلًا.
كانت عيناها محمرتين.
ووجهها شاحبًا.
وآثار الإرهاق واضحة في كل ملامحها.
دخلت المطبخ بصمت.
بينما كان سيف يستعد للذهاب إلى عمله.
أما علي وليلى فكانا يجلسان إلى المائدة يتجادلان حول لعبة إلكترونية اشتراها لهما والدهما قبل أيام.
راقبتهما سميرة طويلًا.
طويلًا أكثر مما ينبغي.
حتى لاحظ سيف الأمر.
وقال وهو يرتشف الشاي
لماذا تنظرين إليهما هكذا؟
انتبهت إلى نفسها.
ثم أجابت سريعًا
لا شيء.
لكنها كانت تكذب.
كلما نظرت إليهما تذكرت ما رأته في الممر الليلة الماضية.
وكلما حاولت إقناع نفسها بأنه مجرد وهم، عاد الخوف ليخنقها من جديد.
في الظهيرة رن هاتفها.
وحين رأت اسم أمها على الشاشة شعرت بالضيق قبل أن ترد.
قالت أمينة مباشرة
لا تنسي الحضور مساءً.
عقدت سميرة حاجبيها.
الحضور إلى أين؟
تنهدت أمينة وكأنها تتحدث إلى طفلة صغيرة.
عزيمة حيدر.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت سميرة
لا أظن أنني سأذهب.
جاءها الرد حادًا
بل ستذهبين.
أمي...
لا نريد كلامًا.
ثم أغلقت الخط.
حدقت سميرة في الهاتف للحظات.
كانت آخر رغبة لديها هي رؤية إخوتها مجددًا.
لكنها كانت تعرف أمها جيدًا.
إذا تغيبت فستحول الأمر إلى مشكلة جديدة.
مع حلول المساء، وصلت العائلة إلى منزل حيدر.
كان المنزل يعج بالحركة.
سيارات مصطفة أمام البوابة.
وأصوات ضحكات تتردد من الداخل.
وأطفال يركضون في الحديقة.
بمجرد دخولها، شعرت سميرة بذلك الإحساس القديم.
الإحساس بأنها غريبة وسط أهلها.
في المجلس كان الرجال يتحدثون عن نجاحات حيدر الأخيرة.
وكان بعض الأعمام يربتون على كتفه بفخر.
أما النساء فاجتمعن في الصالة الكبيرة.
وكانت إيمان تتحرك بينهن بثقة وهي تستقبل الضيوف.
سمعت إحدى قريباتها تقول
ما شاء الله، إيمان تدير البيت أفضل من أي شخص.
وأضافت أخرى
حيدر محظوظ بها.
تعالت عبارات المديح.
بينما جلست سميرة في زاوية بعيدة.
لا أحد يسأل عنها.
ولا أحد يهتم بوجودها.
بعد قليل اقتربت منها أمينة.
وقالت