لم تكن سميرة تتذكر يوما واحدا شعرت فيه بأنها فرد طبيعي داهل عائلتها

لمحة نيوز

ظل رجل يمر قرب باب المطبخ.
ومرة تستيقظ مقتنعة أن شخصًا يقف بجوار سريرها.
ثم تكتشف أن الغرفة فارغة.
أما أكثر ما كان يرعبها...
فهو ذلك المشهد.
مشهد علي وليلى.
لم يغادر ذاكرتها لحظة واحدة.
كلما رأت طفليها يلعبان أمامها عاد إلى عقلها.
الخدوش.
الدماء.
الملابس الممزقة.
ونظراتهما المخيفة.
أصبحت أكثر تعلقًا بهما.
تتصل بالمدرسة أكثر من مرة يوميًا.
وتسأل عنهما باستمرار.
وتطلب من سيف أن يعيدهما بنفسه كلما استطاع.
حتى بدأ يضيق ذرعًا بخوفها.
وفي إحدى الأمسيات، قال لها سيف
هذا يكفي يا سميرة.
نظرت إليه.
فأكمل
الطفلان بخير.
أعرف.
إذن لماذا تتصرفين وكأن كارثة ستقع؟
لم تستطع الإجابة.
لأنها لم تكن تملك تفسيرًا.
كان مجرد شعور.
شعور ثقيل يرفض مغادرة قلبها.
وجاء صباح الخميس.
صباح بدا عاديًا للغاية.
تناول علي فطوره وهو يروي لأخته موقفًا مضحكًا حدث في المدرسة.
وضحكت ليلى حتى كادت تسقط من كرسيها.
أما سميرة فكانت تراقبهما بصمت.
لسبب لم تفهمه...
شعرت برغبة قوية في احتضانهما.
فعلت ذلك بالفعل.
ضمت كليهما إلى صدرها.
حتى تبادلا نظرات متعجبة.
وقال علي ضاحكًا
ماما... سنعود بعد ساعات فقط.
ابتسمت بصعوبة.
لكن قلبها لم يهدأ.
غادر الطفلان إلى المدرسة.
وظلت تراقب الحافلة من النافذة حتى اختفت.
ثم دخلت المنزل.
وحاولت الانشغال بالأعمال المنزلية.
لكن الوقت كان يمر ببطء شديد.
وعند الظهيرة تمامًا...
رن هاتفها.
رقم غريب.
أجابت بعد تردد.
ثم تغير لون وجهها فجأة.
وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
هل أنتِ والدة علي وليلى؟
خرج الصوت من الطرف الآخر متوترًا.
نعم.
نحن من مستشفى اليرموك...
لم تسمع بقية الجملة.
لأن قلبها كان قد توقف تقريبًا.
بعد أقل من عشر دقائق كانت تركض نحو السيارة.
تبكي.
وترتعش.
ولا تعرف كيف وصلت إلى المستشفى.
كل ما كانت تسمعه هو كلمات متفرقة.
حادث.
سيارة.
أطفال.
إصابات.
وعندما وصلت أخيرًا...
رأت سيف واقفًا أمام قسم الطوارئ.
كان شاحب الوجه.
وعيناه ممتلئتين بالدموع.
اقتربت منه بخوف.
وقالت بصوت مبحوح
أين هما؟
نظر إليها للحظات.
ثم همس
وقع حادث أثناء عودتهم من المدرسة.
شعرت الدنيا كلها تدور حولها.
وفي تلك اللحظة...
عادت إليها صورة الطفلين في الممر.
كما رأتهما تلك الليلة.
وكأن عقلها كان يحاول تحذيرها منذ البداية.
لكن بعد فوات الأوان.
وعندما وصلت أخيرًا إلى المستشفى...
رأت سيف واقفًا أمام قسم الطوارئ.
كان وجهه شاحبًا بصورة مخيفة.
وعيناه حمراوين كأنه لم يتوقف عن البكاء منذ ساعات.
ركضت نحوه.
وكادت تتعثر أكثر من مرة.
ثم أمسكت بذراعيه بعنف.
وقالت وهي تلهث
أين علي؟ أين ليلى؟
لم يجب فورًا.
بل نظر إليها للحظات طويلة.
لحظات جعلت الرعب يتضخم داخلها.
ثم قال بصوت مبحوح
هما في الداخل.
شعرت سميرة أن الهواء عاد إلى رئتيها.
على الأقل...
ما زالا على قيد الحياة.
جلست على أحد المقاعد المعدنية الباردة أمام غرفة الطوارئ.
وكانت أصابعها ترتجف بلا توقف.
كل دقيقة تمر كانت تبدو ساعة كاملة.
وكلما فتح باب الغرفة، كانت تقف مذعورة.
لكن الطبيب كان يخرج لشخص آخر.
وليس لها.
بعد أكثر من ساعة خرج طبيب أخيرًا.
نهض سيف وسميرة في اللحظة نفسها.
قال الطبيب
الطفلان تعرضا لإصابات متعددة.
ثم نظر إلى الملف بين يديه.
البنت إصابتها أخف قليلًا.
أما علي...
فتوقف للحظة قبل أن يكمل.
حالته حرجة.
شعرت سميرة بأن قدميها فقدتا القدرة على حملها.
فسقطت على المقعد من جديد.
كانت تسمع الكلمات.
لكن عقلها يرفض استيعابها.
حرجة.
كلمة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لتحطم قلبها.
بعد قليل وصلت أمينة.
ثم حيدر.
ثم كرار.
ثم مصطفى.
لأول مرة منذ سنوات طويلة اجتمعت العائلة كلها حول سميرة.
لكن ليس في مناسبة سعيدة.
بل في أسوأ يوم في حياتها.
اقتربت أمينة منها.
وأمسكت يدها.
لكن سميرة لم ترفع رأسها.
كانت تحدق في الأرض فقط.
وكأنها تخشى النظر إلى أي شيء.
أما حيدر فوقف بجانب سيف.
وكان الصمت يملأ المكان.
لم يعد هناك نجاحات.
ولا أموال.
ولا شهادات.
كل الأشياء التي كانوا يتفاخرون بها طوال العمر فقدت معناها أمام سرير طفل يصارع الموت.
مع حلول الليل...
سمح الأطباء لسميرة بالدخول لدقائق معدودة.
دخلت الغرفة.
وشعرت بأن قلبها توقف.
كان علي مستلقيًا على السرير.
وجهه الصغير مليء بالخدوش.
وذراعه ملفوفة بالجبائر.
والأجهزة تحيط به من كل جانب.
تجمدت سميرة في مكانها.
لأن الصورة كانت مطابقة تقريبًا لما رأته تلك الليلة.
نفس الخدوش.
نفس الكدمات.
نفس الملامح الشاحبة.
اقتربت منه ببطء.
ثم أمسكت يده الصغيرة.
ولأول مرة منذ الحادث...
انفجرت بالبكاء.
بكت كما لم تبكِ في حياتها.
طفولتها.
ووحدتها.
وظلم أمها لها.
وخوفها الذي لم يصدقه أحد.
وكل شيء دفعة واحدة.
مرت الأيام التالية داخل المستشفى.
لا أحد كان يعود إلى منزله إلا لساعات قليلة.
الجميع بقي هناك.
ينتظر.
ويدعو.
ويأمل.
تحسنت حالة ليلى تدريجيًا.
وبدأت تستعيد وعيها.
أما علي...
فبقي يصارع إصاباته.
وفي فجر اليوم السادس...
رن جهاز الإنذار فجأة.
وركض الأطباء إلى الداخل.
نهضت سميرة من مكانها مذعورة.
ثم ركضت خلفهم.
لكن إحدى الممرضات منعتها.
وقفت خلف الباب.
تسمع الأصوات فقط.
وترى الحركة السريعة في الداخل.
ثم...
ساد الصمت.
صمت قصير.
لكنه كان كافيًا.
خرج الطبيب بعد دقائق.
وكانت ملامحه تقول كل شيء.
قبل أن ينطق.
شعرت سميرة أن العالم كله انهار فوق رأسها.
وسقطت على الأرض.
لم تتذكر شيئًا بعد ذلك.
ولا تتذكر كيف انتهى اليوم.
ولا كيف مرت الجنازة.
ولا كيف عاد الناس إلى بيوتهم.
كل ما تتذكره...
هو غرفة علي الفارغة.
مرت ثلاثة أشهر.
وكانت ليلى قد تعافت جسديًا.
لكنها لم تعد كما كانت.
أما سميرة...
فأصبحت تعيش نصف حياة فقط.
وفي إحدى الليالي...
دخلت ليلى إلى غرفة أمها.
وجلست بجانبها.
ثم أمسكت بيدها الصغيرة.
وقالت
ماما...
رفعت سميرة رأسها بصعوبة.
قالت ليلى والدموع في عينيها
لو كان علي هنا... كان سيغضب لأنك لا تبتسمين.
ولأول مرة منذ شهور...
بكت سميرة بهدوء.
لا بانهيار.
ولا بصراخ.
بل بدموع صامتة.
ثم احتضنت ابنتها بقوة.
وأغمضت عينيها.
وأدركت أخيرًا أن الحزن لن يغادرها أبدًا.
لكن عليها أن تعيش.
من أجل ليلى.
ومن أجل نفسها.
ومن أجل ذكرى الطفل الذي أحبته أكثر من أي شيء في هذا العالم.

تم نسخ الرابط