لم تكن سميرة تتذكر يوما واحدا شعرت فيه بأنها فرد طبيعي داهل عائلتها

لمحة نيوز

بصوت منخفض
حاولي ألا تفتعلي مشكلة الليلة.
شعرت سميرة وكأنها تلقت صفعة.
رفعت رأسها ببطء.
ومتى افتعلت مشكلة؟
أجابت أمينة ببرود
أنتِ تعرفين ما أقصد.
ثم ابتعدت.
وتركتها وحدها.
بعد مرور ساعة تقريبًا، دخلت سميرة إلى المطبخ لتشرب الماء.
كان المكان شبه خالٍ.
وأثناء وقوفها قرب الثلاجة، وقع بصرها على شخص يتحرك عند الطاولة الكبيرة.
التفتت.
وتجمدت في مكانها.
كانت أسماء بنت خالها .
تنظر حولها بحذر.
ثم تخرج زجاجة صغيرة من حقيبتها.
وتفتح الغطاء.
وتسكب محتواها داخل أحد أطباق الطعام.
شعرت سميرة بأن قلبها توقف.
حدقت غير مصدقة.
لكن المشهد كان واضحًا للغاية.
واضحًا أكثر من أي هلوسة عرفتها من قبل.
تراجعت خطوة.
ثم ركضت نحو الصالة.
دخلت وهي تلهث.
فالتفت الجميع نحوها.
حتى الأحاديث توقفت.
قال حيدر باستغراب
ماذا هناك؟
صرخت
لا تأكلوا من الطعام!
ارتفعت همهمات الحاضرين.
ونهض بعضهم من أماكنهم.
لماذا؟
أشارت نحو المطبخ.
وقالت
أسماء وضعت شيئًا فيه.
ساد الصمت.
ثم أضافت
لقد وضعت سمًا.
كان وقع الكلمة كالقنبلة.
اتسعت عينا حيدر.
ونهض بعنف من مكانه.
ماذا تقولين؟
قالت بثبات
رأيتها بعيني.
وفي تلك اللحظة خرجت إيمان من المطبخ وهي تحمل صينية شاي.
توقفت فورًا عندما سمعت الكلام.
ثم قالت بذهول
هل جننتِ؟
وخلال دقائق تحولت المناسبة إلى فوضى كاملة.
ارتفعت الأصوات.
وبدأ الجميع يتحدث في وقت واحد.
وأصرت سميرة على روايتها.
بينما كانت إيمان تبكي من شدة الصدمة.
أما حيدر فكان يكاد ينفجر غضبًا.
تم تفتيش المطبخ بالكامل.
فُتحت الأغطية.
وفُحصت الأطباق.
وبحث الرجال في سلة المهملات.
لكنهم لم يجدوا شيئًا.
لا زجاجة.
ولا مادة غريبة.
ولا أي دليل يدعم كلام سميرة.
عندها بدأت النظرات تتغير.
شيئًا فشيئًا.
من القلق إلى الشفقة.
ومن الشفقة إلى السخرية.
ورأت سميرة ذلك كله.
رأت كيف بدأ بعض الأقارب يتهامسون.
وكيف أشاح آخرون بوجوههم.
وكأنهم سئموا من تكرار القصة نفسها.
اقترب منها كرار وقال ساخرًا
ألم تتعبي من هذه الأوهام بعد؟
وأضاف مصطفى
يبدو أنك تحتاجين إلى طبيب فعلًا.
تعالت بعض الضحكات الخافتة.
وشعرت سميرة بالإهانة.
لكنها لم تتراجع.
أنا متأكدة مما رأيته.
وهنا انفجر حيدر.
ضرب الطاولة بقبضته.
حتى ارتجفت الأكواب فوقها.
وقال بغضب
كفى!
سكت الجميع.
ثم أشار إلى زوجته.
هل ترينها؟
كانت أسماء تبكي فعلًا.
وترتجف بين أقاربها.
أكمل
لقد أذللتِها أمام الجميع.
وقبل أن تتمكن سميرة من الرد، تدخلت أمينة.
وقالت أمام الحاضرين
اعذروها.
ثم تنهدت.
وأضافت
أنتم تعرفون حالتها منذ الصغر.
شعرت سميرة وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
كانت تلك الكلمات أقسى من سخرية الجميع.
لأنها جاءت من أمها.
مرة أخرى.
كالعادة.
دائمًا أمها.
لم يبقَ بعدها سبب يدفعها للبقاء.
غادرت المنزل باكية.
وعادت إلى بيتها وهي تشعر بأن شيئًا انكسر داخلها.
شيئًا ربما لن يلتئم أبدًا.
أما حيدر...
فلم يتصل بعدها.
ولم يرد على رسائلها.
وبدأت بينهما قطيعة جديدة.
قطيعة بدت هذه المرة أعمق من كل ما سبق.
وفي تلك الليلة...
وأثناء جلوسها وحيدة في غرفتها...
عادت صورة إيمان وهي تسكب السائل داخل الطعام إلى ذهنها مرة أخرى.
بكل تفاصيلها.
وبكل وضوحها.
مرّت ثلاثة أيام على العزيمة.
ثلاثة أيام كاملة لم يغادر خلالها شعور الاختناق صدر سميرة.
كانت تستيقظ كل صباح وهي تتمنى أن يكون ما حدث مجرد كابوس.
لكن هاتفها الصامت كان يذكرها بالحقيقة.
حيدر لم يتصل.
كرار لم يتصل.
مصطفى لم يتصل.
حتى أمها لم تتحدث معها إلا مرة واحدة، وكانت المكالمة قصيرة وباردة إلى درجة جعلت سميرة تتمنى لو أنها لم ترد أصلًا.
في صباح اليوم الرابع، كانت ترتب غرفة الأطفال عندما سمعت رنين هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
كان اسم أمينة.
شعرت بانقباض في قلبها قبل أن ترد.
جاءها صوت والدتها متوترًا هذه المرة على غير عادته.
سميرة...
اعتدلت في وقفتها.
ماذا حدث؟
ساد صمت قصير.
ثم قالت أمينة
إيمان في المستشفى.
تجمدت سميرة في مكانها.
وشعرت ببرودة تسري في أطرافها.
ماذا؟
أصيبت بتسمم.
سقطت اللعبة التي كانت تمسكها من يدها.
واصطدمت بالأرض بصوت خافت.
لكنها بالكاد سمعته.
بعد أقل من ساعة كانت الأخبار قد انتشرت بين أفراد العائلة جميعًا.
إيمان دخلت المستشفى بعد شعورها بآلام حادة وتقيؤ مستمر.
وبعد الفحوصات اكتشف الأطباء وجود مادة سامة داخل جسدها.
لحسن الحظ لم تكن الكمية كبيرة.
وقد أكد الأطباء أن حالتها مستقرة وأنها ستغادر المستشفى خلال يوم أو يومين.
لكن الخبر كان كافيًا ليفجر العائلة بأكملها.
جلست سميرة على الأريكة وهي تحاول استيعاب الأمر.
كانت تتذكر العزيمة.
وتتذكر المشهد الذي رأته.
وتتذكر نظرات السخرية التي أحاطتها من كل جانب.
أيمكن أن تكون محقة؟
لا...
هي لم ترَ أسماء.
لقد رأت إيمان نفسها.
كانت متأكدة من ذلك.
لكن شيئًا ما حدث.
شيء حقيقي.
شيء لم يكن مجرد وهم.
وفي المساء، انفجرت مفاجأة أكبر.
اعترفت أسماء.
اعترفت بأنها هي من وضعت المادة السامة.
واعترفت أن غيرتها من إيمان تحولت مع السنوات إلى حقد دفين.
كانت تشعر أن الجميع يحب إيمان أكثر منها.
ويمدحها أكثر منها.
ويعاملها وكأنها الابنة المثالية للعائلة.
ومع مرور الوقت بدأ الغضب يسيطر عليها حتى ارتكبت فعلتها.
تحولت أسماء إلى حديث الأقارب.
وبدأت المكالمات تنهال على منزل أمينة.
الجميع مصدوم.
والجميع غاضب.
أما سميرة فكانت تشعر بشيء مختلف.
الحيرة. 
حيرة لم تختبرها من قبل.
في اليوم التالي ذهبت إلى منزل والدتها.
كان معظم أفراد العائلة موجودين.
جلست في زاوية المجلس بصمت.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة لم يجرؤ أحد على السخرية منها.
لكن ذلك لم يكن يعني أنهم صدقوها.
دخل حيدر بعد دقائق.
كان يبدو مرهقًا.
وعيناه تحملان آثار أيام صعبة.
تبادلت معه النظرات للحظات.
ثم أشاح بوجهه.
شعرت بوخزة في قلبها.
رغم كل شيء...
كان أخاها.
وكانت تتمنى أن ينتهي الخلاف بينهما.
بعد انتهاء المجلس، وجدته يقف وحده في الحديقة.
ترددت للحظة.
ثم اقتربت منه.
حيدر.
التفت إليها.
لكن ملامحه بقيت جامدة.
قالت بصوت خافت
كيف حال إيمان؟
أجاب
أفضل.
ثم ساد الصمت.
تنهد حيدر طويلًا.
ثم قال
تعلمين ما المشكلة يا سميرة؟
رفعت عينيها نحوه.
فأضاف
حتى الآن لا أعرف إن كنتِ رأيت شيئًا فعلًا أم لا.
شعرت بالعجز.
لأنها هي نفسها لم تعد تعرف.
عاد التوتر بينهما مجددًا.
ورغم أن الحديث انتهى دون شجار كبير، إلا أن الجدار بينهما ظل قائمًا.
بل ربما أصبح أعلى من السابق.
في الأيام التالية بدأت حالة سميرة النفسية تتدهور.
كانت الهلاوس تعود بوتيرة أسرع.
مرة تسمع امرأة تضحك داخل المنزل بينما لا يوجد أحد.
ومرة ترى
تم نسخ الرابط