بعد تمن سنين وأنا بأكّل جوزي بإيدي
وده كان الوقت اللي شفته فيه.
كان فيه راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي غامق، واقف قريب من باب الخروج، لا ماسك لوحة عليها اسم حد، ولا عمال يبص في وشوش الناس اللي خارجة من المطار، لكنه كان باصص ليا أنا بالذات، كأنه عارف ملامحي من سنين طويلة ومستني اللحظة اللي يشوفني فيها.
قرب مني بخطوات هادية، وانحنى براسه باحترام، وبعدها سألني
حضرتك الحاجة خديجة؟
مسكت شنطتي بإيدي بقوة، وقلت له بحذر
أيوه، أنا خديجة.
قال وهو بيمد إيده يسلم عليا
اسمي دييغو موراليس، وأنا محامي. المرحوم عبد الرحمن جوز حضرتك طلب مني أستناكي هنا وأستقبلك أول ما توصلي.
حسيت إن حلقي نشف، وقلت له بصوت مخنوق
بس جوزي مات.
بص لي بحزن، وقال بهدوء
أيوه يا حاجة خديجة، ربنا يرحمه، لكن التعليمات اللي سابهالي لسه سارية، وأنا ملتزم بيها لحد النهارده.
فضلت باصة له وأنا مش فاهمة حاجة، وبعدها سألته
إنت بقالك قد إيه مستنيني؟
إجابته خلت الدنيا تلف بيا، وحسيت إني مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
قال ببساطة
من سنين يا حاجة خديجة.
من سنين؟!
يعني إيه مستنيني من سنين، وأنا ما كنتش أعرف أصلًا إن فيه حد في البلد دي يعرفني أو يعرف جوزي؟
ما لقيتش كلام أقوله، فساعدني أشيل شنطتي، وخرجنا سوا لحد ما وصلنا لعربية سودا فخمة كانت مستنيانا بره المطار.
الجو كان دافي ورطب، وريحه المطر مالية المكان، ومن شباك العربية كنت بتفرج على شوارع سان خوسيه، والعربيات اللي ماشية وسط الطرق المبلولة، والتلال الخضرا اللي باينة من بعيد، والناس اللي ماشية بمظلاتها علشان تحتمي من المطر.
كنت قاعدة ساكتة، ومش قادرة أرتب أفكاري، فدييغو هو اللي بدأ يتكلم.
قال لي إن عبد الرحمن كان مجهز كل حاجة من سنين طويلة، وإنه رتب أموره قبل ما يتوفى بوقت كافي.
وقال إن ولادي أخدوا بالضبط اللي أبوهم كان عايز يسيبهولهم، وإن التذكرة اللي وصلتني ما كانتش هزار ولا غلطة من المحامي، وإن كل حاجة حصلت كانت مقصودة.
وبعد شوية، بص لي وسألني سؤال خلاني أضم إيديا لبعض في حجري.
يا حاجة خديجة، هو عبد الرحمن حكى لحضرتك قبل كده عن واحد اسمه مصطفى الدلجالو؟
فتحت شنطتي بسرعة، وطلعت الصورة القديمة اللي لقيتها في درج الكومودينو، ومديتهاله.
بص للصورة، لكنه ما اتفاجئش، ولا حتى بان عليه إنه بيشوفها لأول مرة.
قلت له بصوت واطي
لأ، عمره ما حكى لي عنه. هو مين الراجل ده؟
رد عليا وقال
ده أخو عبد الرحمن من أبوه.
لفيت ناحيته بسرعة، وقلت له بعدم تصديق
أخوه من أبوه؟!
هز راسه، وبدأ يشرح لي إن والد عبد الرحمن كان متجوز من ستين، وعنده عيلتين، واحدة في فلوريدا في أمريكا، والتانية هنا في كوستاريكا.
وبعد ما حصلت فضيحة كبيرة بين العيلتين، قررت عيلة عبد الرحمن في أمريكا إنها تمسح اسم مصطفى من حياتها تمامًا، وكأن الراجل ده ما كانش موجود من الأساس.
لكن عبد الرحمن كان الوحيد اللي رفض ينساه، والوحيد اللي حاول يرجع له ويدور عليه مهما كانت الظروف.
وصلنا قدام مبنى كبير واجهته كلها زجاج، ونزل دييغو من العربية وشال شنطتي بنفسه، وبعدها طلعنا بالمصعد لحد الدور السادس.
دخلنا أوضة اجتماعات خاصة، وكان فيها ترابيزة كبيرة وكراسي جلد، وأول ما قعدت، حط دييغو قدامي ملف ضخم.
على غلاف الملف كان مكتوب اسمي بالكامل.
خديجة.
وتحته جملة خلت قلبي يدق بسرعة
وصية خاصة لا يجوز التصرف فيها إلا لصالح خديجة.
ما قدرتش أتنفس بشكل طبيعي، وفضلت باصة للاسم كأني بحاول أتأكد إنه اسمي فعلًا، وإن الموضوع مش مجرد تشابه أسماء.
فتح دييغو الملف، وبدأ يطلع منه أوراق ملكية أراضي، وكشوف حسابات بنكية، وصور قديمة، ومستندات خاصة بشركات، وأوراق صناديق ائتمانية، وفي الآخر طلع جواب مقفول بخط إيد عبد الرحمن.
فضلت باصة للجواب، لكن دييغو بدأ يتكلم قبل ما أفتحه.
قال لي إن مصطفى الدلجالو ما اتجوزش طول عمره، وما خلفش أولاد، لكنه بنى شركة كبيرة لتصدير البن، واشترى أراضي واسعة وسط الجبال، ورمم بيت تاريخي قديم في سان خوسيه.
ولما صحته بدأت تتدهور، قرر يسيب كل ممتلكاته لعبد الرحمن، لكن بشرط واحد.
سألته بقلق
شرط إيه؟
قال
إن الممتلكات دي ما تروحش في يوم من الأيام لحد بيتعامل مع عيلته كأنها غنيمة، وكل واحد عايز ياخد منها أكبر نصيب ممكن من غير ما يفكر في حق غيره.
في اللحظة دي، وشوش ولادي ظهرت قدام عيني.
مريم وهي بتسحب الظرف من على الترابيزة.
وعمر وهو بيضحك على تذكرة السفر.
وسارة وهي بتحاول تخبي ابتسامتها الساخرة.
دييغو زق ورقة تانية ناحيتي، وقال
وده عقد صندوق الدلجالو وهندرسون الائتماني.
بصيت للورقة، ولقيت اسمي مكتوب فيها بوضوح.
المستفيدة الوحيدة خديجة.
فضلت باصة للكلمات لحد ما عيني دمعت، وقلت له
أنا مش فاهمة حاجة يا أستاذ دييغو، هو كل ده معناه إيه؟
رد عليا بهدوء
معناه إن فيه مزرعة بن كبيرة خارج مدينة نارانخو، وبيت تاريخي في سان خوسيه، وحصة أغلبية في شركة متخصصة في تصدير البن الفاخر، وحسابات مالية مخصصة لصيانة الممتلكات وإدارتها. وكل ده بقى تحت تصرف حضرتك وفقًا للمستندات اللي قدامي.
حطيت إيدي على صدري، وحسيت إن قلبي هيقف من كتر المفاجآت.
لكن دييغو ما خلصش كلامه، لأنه طلع ورقة تانية وقال
وفيه كمان مؤسسة خيرية زوج حضرتك أسسها قبل وفاته.
بصيت له باستغراب وسألته
مؤسسة خيرية؟
قال
أيوه، مؤسسة هدفها مساعدة الستات الكبيرات في السن اللي عائلاتهم بتتخلى عنهم، أو بتستولي على فلوسهم وممتلكاتهم، وبتسيبهم من غير مصدر دخل أو مكان آمن يعيشوا فيه.
حطيت إيدي على بوقي، وحسيت إن الدموع بدأت تنزل من عيني من غير ما أقدر أوقفها.
دييغو كمل كلامه بنبرة هادية
عبد الرحمن عيّن حضرتك رئيسة للمؤسسة مدى الحياة.
طلعت مني ضحكة صغيرة مكسورة، وقلت له
أنا؟! أنا يا أستاذ دييغو؟! أنا بالعافية كملت تعليمي، ومش عندي خبرة في إدارة مؤسسات ولا شركات!
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال
زوج حضرتك قال إنك قدرتي تديري بيت كامل، وتواجهي مرض صعب لمدة تمن سنين، وتوفري مصاريف العلاج رغم الظروف، وتربي أولادك على مدار سنين طويلة، وتتحملي مسؤوليات أكبر من طاقة أي إنسان. وقال إن إدارة المؤسسة هتبقى أسهل بكتير من كل ده.
في اللحظة دي، انهرت في العياط.
ما حاولتش أخبي دموعي، ولا مسحتها بسرعة علشان أبان قوية قدام حد.
عيطت بالطريقة اللي بتعيط بيها الست اللي قضت عمرها كله بتخدم غيرها، ومحدش فكر يسألها هي محتاجة إيه، لحد ما ظهر شخص واحد أخيرًا وفكرها إنها مش مجرد إنسانة وجودها مفيد وقت الحاجة.
لما قدرت أهدى شوية وأتنفس، دييغو زق الجواب المقفول ناحيتي وقال
عبد الرحمن طلب مني إن حضرتك تقري الجواب ده هنا بنفسك.
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف، ولما طلعت الورقة، عرفت خط جوزي من أول نظرة.
كانت إيده ضعفت وقتها، والخط مش ثابت زي زمان، لكنه كان خطه هو، نفس الخط اللي كنت بشوفه على الورق اللي كان بيكتبهولي طول سنين جوازنا.
بدأت أقرا.
خديجة حبيبتي،
لو إنتِ بتقري الجواب ده دلوقتي، يبقى ولادنا عملوا بالضبط اللي كنت خايف منه.
فتحوا الظرف، وضحكوا على التذكرة، وافتكروا إني سبتك من غير أي حاجة.
سامحيني إني خليتك تتوجعي في اللحظة دي، لكن كان لازم توصلي لكوستاريكا من غير