بعد تمن سنين وأنا بأكّل جوزي بإيدي

لمحة نيوز

وعينيها ضاقت وهي بتقول
ماما، بلاش دراما بقى!
بصيت لها وقلت
دي ما كانتش دراما يا مريم، دي كانت إهانة، وإنتِ بس افتكرتي إني كبرت في السن لدرجة إني مش هعرف أميز بين الشفقة الحقيقية والإهانة اللي مستخبية وراها.
عمر أشار بإيده ناحية دييغو، وقال بعصبية
المحامين الأجانب دول بيلعبوا في دماغك وبيستغلوكي!
رديت عليه بهدوء
لأ يا عمر، دي أول مرة في حياتي ألاقي حد بيشرح لي حقوقي ويفهمني كل حاجة قبل ما يطلب مني أمضي على أي ورقة.
مريم فتحت شنطتها وطلعت شوية أوراق، وبعدها مدتهم ناحيتي وقالت
إحنا محتاجينك تتنازلي عن أي حاجة بابا خبّاها هنا، وده الصح، لأن في الآخر إحنا عيلة واحدة، والمفروض كل حاجة تكون واضحة بينا.
كلمة تتنازلي فضلت ترن في ودني.
هي ما طلبتش مني.
هي أصدرت أمر، وكأنها متعودة إني أوافق على كل حاجة علشان ما أزعلهاش.
وفي اللحظة دي، ذكريات كتير رجعت قدام عيني.
مريم وهي بتسيب ولادها عندي من غير ما تسألني إذا كنت تعبانة أو محتاجة أرتاح.
وعمر وهو بيستلف مني فلوس ويقول لي إنها مسألة وقت وهيرجعهالي، وبعدها يختفي بالشهور.
وسارة وهي بتقولي إني محظوظة إن عندي عيلة تهتم بيا، لأن الستات اللي في سني بيحسوا بالوحدة.
بصيت لوش بنتي، ولقيت عينيها بدأت تدمع.
زمان، مجرد دمعة منها كانت كفاية تخليني أتنازل عن أي حاجة علشان أرضيها.
لكن المرة دي، شفت الحقيقة بوضوح.
هي ما كانتش بتعيط علشان خايفة تخسرني.
هي كانت بتعيط علشان خايفة تخسر قدرتها على الوصول لفلوسي وممتلكاتي وقت ما تحتاج.
خدت نفس عميق، وبصيت لها وقلت
لأ.
مريم رمشت بعينيها، وكأنها مش مصدقة اللي سمعته.
نعم؟ بتقولي إيه يا ماما؟
كررت كلامي بهدوء
بقولك لأ، مش هتنازل عن أي حاجة.
عمر قرب خطوة، ونزل صوته وهو بيقول بتهديد
إنتِ كده هتعيشي وتموتي لوحدك.
بصيت له، ولأول مرة ما حسيتش إني مضطرة أبرر نفسي أو أخاف من كلامه.
قلت له
أنا عشت لوحدي من زمان يا عمر، قبل ما أجي كوستاريكا بسنين. الفرق الوحيد إنكم دلوقتي مش هتقدروا تدخلوا حياتي كل ما تحتاجوا حاجة، وتاخدوا اللي إنتوا عايزينه وتمشوا.
سكت، وما عرفش يرد.
وقفت من مكاني بالراحة، وبصيت لهم وقلت
أنا مش بكرهكم، ومش بتمنى ليكم الشر، لكن خلاص، مش هفضل أتنازل عن راحتي وحقوقي علشان أرضيكم. اللي بينا من دلوقتي لازم يكون مبني على الاحترام، مش على إنكم تعتبروني موجودة وقت ما تحتاجوا مني حاجة، وملهاش قيمة لما أحتاجكم أنا.
دييغو حط ورقة على الترابيزة، وقال بصوت رسمي
حضراتكم من حقكم تعترضوا على الصندوق الائتماني وفقًا للإجراءات القانونية، لكن لازم تعرفوا إن الاعتراض ده ممكن يفعّل شرط الحرمان من بعض الممتلكات المرتبطة بالميراث الأمريكي. أنصحكم تقروا المستندات كويس قبل ما تتخذوا أي خطوة.
عمر خطف الورقة من على الترابيزة، وبدأ يقراها بسرعة، لكن ملامحه اتغيرت فجأة.
سارة قربت منه علشان تبص على الورق من فوق كتفه، أما مريم ففضلت باصة ليا كأني أنا اللي نصبت لهم الفخ ده كله.
لكن الحقيقة إني ما عملتش أي حاجة.
عبد الرحمن هو اللي رتب كل شيء.
ويمكن، ولأول مرة، كنت ممتنة إنه فضل ساكت عن خطته لحد ما جه الوقت المناسب.
خرجوا من البيت بعد الظهر، وهما بيهددوا بالمحاكم والقضايا والنصب والخيانة، وكل واحد فيهم بيحاول يحملني مسؤولية اللي حصل.
وقفت في البلكونة، واتفرجت على المطر وهو بينزل على الشارع وبيغسل التراب من على الأرض.
كارمن قربت مني وسألتني
إنتِ كويسة يا حاجة خديجة؟
فكرت في مكتب المحامي في ميامي.
وفي الابتسامات الساخرة.
وفي التذكرة اللي كانت بالنسبالي وقتها إهانة كبيرة.
وبعدها بصيت لسما سان خوسيه، وللتلال الخضرا اللي كانت باينة من بعيد، وقلت لها بصراحة
لأ يا كارمن، أنا لسه مش كويسة تمامًا، لكن أعتقد إني هبقى أحسن.
بعد شهر، رجعت ميامي.
مش علشان أعيش هناك تاني، لكن علشان أقفل باب من حياتي بالطريقة الصح، ومن غير ما أسيب ورايا أي حاجة معلقة.
أول مكان رحت له كان قبر عبد الرحمن، وخدت معايا باقة ورد، وركعت على العشب قدام قبره، وحطيت إيدي على الحجر وقلت بصوت واطي
يا عبد الرحمن يا عنيد، يعني ما لقيتش طريقة تحميني بيها غير إنك تسيبني أتوجع بالشكل ده يوم كامل؟
الهوا اتحرك بهدوء وسط الشجر، وأنا فضلت باصة للقبر شوية.
وبعدها ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
بس شكرًا على الباب اللي فتحتهولي.
رجعت البيت الصغير اللي كنت عشت فيه معاه، ورتبته، ولميت هدومي وصوري، وأخدت ترابيزة المطبخ اللي كنت رافضة أسيبها ورايا.
الترابيزة اللي شهدت سنين من تعبي وخوفي ودعائي، واللي كنت بقعد عليها أحسب مصاريف الدوا وأرتب مواعيد العلاج، واللي كنت فاكرة إنها مجرد قطعة أثاث قديمة، لكنها بالنسبالي كانت جزء من عمري وذكرياتي مع الراجل اللي حبيته.
وقبل ما أمشي، علقت تذكرة السفر على الحيطة داخل برواز بسيط.
مش علشان أفتكر الإهانة اللي اتعرضت لها.
لكن علشان أفتكر إن أوقات الباب اللي بيغير حياتنا بيبان في البداية كأنه إهانة، خصوصًا لما الناس اللي حوالينا ما يشوفوش غير الشكل اللي يناسب مصالحهم.
بعد ستة شهور، افتتحت أول دار تابعة لمؤسسة الدلجالو وهندرسون على أطراف مزرعة البن.
في الأسبوع الأول، وصلت خمس ستات.
تلاتة من أمريكا، واتنين من كوستاريكا.
كلهم ستات كبار في السن، وكل واحدة فيهم شايلة وجع مش باين على وشها، لكن واضح في عينيها.
كلهم تقريبًا عاشوا نفس الحكاية، عائلات حبتهم طول ما كانوا مفيدين، ولما تعبوا أو كبروا في السن، بقوا عبء في نظر أقرب الناس ليهم.
استقبلتهم بنفسي، وقدمت لهم القهوة والعيش الطازة، وخليت كارمن تجهز لهم وجبة دافية، وفضلت قاعدة معاهم أسمع حكاياتهم من غير ما أقاطعهم.
ما كنتش أعرف أدير مؤسسة خيرية، ولا أعرف أتعامل مع كل الأوراق والحسابات والإجراءات المطلوبة.
لكن قررت أتعلم.
أنا اتعلمت قبل كده حاجات أصعب بكتير.
اتعلمت إزاي أرتب مواعيد الدوا لراجل بحبه، وهو بيبص لي بعينيه معتذرًا عن ضعفه.
واتعلمت إزاي أنام على كرسي جنب سرير مريض، وأقوم من النوم كل شوية علشان أطمن عليه.
واتعلمت إزاي أوزع المصاريف على الشهر، وأحاول أوفر من كل حاجة علشان الفلوس تكفي.
واتعلمت إزاي أفضل أحب أولادي، حتى لما ما كانوش بيفتكروني غير وقت ما يحتاجوا مني حاجة.
فأكيد هقدر أتعلم إزاي أساعد ستات غيري، وأوفر لهم مكان آمن يقدروا يعيشوا فيه من غير خوف أو إهانة.
الأوراق والإجراءات ما بقتش تخوفني.
ولا حتى كلمة محكمة.
ولا التوقيعات والأختام اللي كنت زمان بتخاف منها أي ست بسيطة زيي.
مريم وعمر فضلوا يبعتوا خطابات قانونية فترة، وبعدها رسائل غاضبة، وبعد شوية كل حاجة سكتت.
السكوت وجعني، طبعًا.
لأن الأم مهما حصل، ما بتبطلش تحب ولادها بسهولة، ومهما كانت قوية، بيبقى جواها جزء بيتمنى إنهم يرجعوا لها يوم من الأيام، مش علشان فلوسها ولا ممتلكاتها، لكن علشان يسألوها بصدق إذا كانت بخير.
لكن مع الوقت، فهمت إن الحب حاجة، وإنك تسيب نفسك متاحة للناس علشان يستنزفوها حاجة تانية خالص.
أقدر أحب ولادي من بعيد.
وأقدر أدعيلهم ربنا يهديهم ويصلح حالهم.
لكن مش لازم أسمح لهم ياخدوا مني كل حاجة، لمجرد إني أمهم.
ومش لازم أفتح لهم الباب كل مرة يخبطوا عليه، خصوصًا لو كانوا جايين علشان ياخدوا، مش علشان يطمنوا
عليا.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة على الشرفة في مزرعة دوس ألمَاس، بتفرج على الضباب وهو بيتحرك فوق مزارع البن.
كنت سامعة كارمن بتغني في المطبخ، وواحدة من الستات اللي عايشين في الدار بتسقي الزرع، وست تانية كانت بتضحك وهي بتتكلم في التليفون مع حفيدتها اللي اتصلت بيها علشان تطمن عليها، مش علشان تطلب منها حاجة.
طلعت الصورة القديمة لعبد الرحمن ومصطفى من شنطتي، وفضلت أتأمل ملامحهم وهما شباب.
أخوين.
وسر قديم.
وباب واحد غير حياتي كلها.
همست وأنا ببص للصورة
لقيتها يا عبد الرحمن، لقيت الحاجة الصغيرة اللي كنت بتتكلم عنها.
التذكرة.
والظرف.
والإهانة اللي حسيت بيها يوم الوصية.
والرحلة الطويلة.
والمحامي اللي كان مستنيني في سان خوسيه من سنين.
والحياة الجديدة اللي ما كنتش متخيلة إنها لسه ممكن تكون مستنياني في العمر ده.
ولادي ابتسموا يوم قراءة الوصية، لأنهم كانوا فاكرين إن أبوهم طردني من العيلة، وإنه سابني من غير أي حاجة، وإنهم خلاص أخدوا كل اللي كانوا عايزينه.
لكنهم ما فهموش إن عبد الرحمن كان بيفتح لي باب الخروج من القفص اللي فضلت محبوسة فيه سنين طويلة.
هو ساب لهم الحاجات اللي كانوا جعانين ليها، واللي قضوا عمرهم يجروا وراها.
وساب لي أنا الحاجة اللي كنت محرومة منها طول الوقت.
مش الفلوس.
ولا الانتقام.
لكن مكان ما أكونش فيه عبء على حد.
ومكانة ما يقدرش حد يمسحها من حياته وقت ما يحب.
وباب ما بيفتحش إلا لما أبطل أستأذن الناس علشان يسمحوا لي أعيش.
تذكرة السفر اللي كانت اتجاه واحد، ما كانتش نهاية حياتي زي ما افتكرت يومها.
دي كانت أول حاجة في عمري كله تخصني أنا لوحدي، وتديني فرصة أعيش لنفسي بعد ما قضيت سنين طويلة بعيش علشان غيري.

تم نسخ الرابط