بعد تمن سنين وأنا بأكّل جوزي بإيدي
المحتويات
ما تثيري شكهم، لأن أي حاجة كنت هسيبها ليكي في ميامي، كانوا هيدخلوا معاكي في مشاكل ومحاكم لحد ما ما يفضلش منها غير أوراق وقضايا.
أما اللي سبتُه ليكي هنا، فهو محمي بالقانون، ومحدش يقدر ياخده منك بسهولة.
مصطفى كان أخويا، وهو اللي علمني إن صلة الدم لوحدها ما تسواش حاجة من غير الوفاء.
وإنتِ كنتِ أوفى إنسانة في حياتي.
إنتِ اللي فضلتي جنبي لما جسمي خانني، وإنتِ اللي كنتِ بتغسلي وشي، وتحسبي مواعيد دوايا، وتمسكي إيدي لما كنت بحس بالضعف والخجل من إني بقيت عاجز عن خدمة نفسي.
أنا مش بسيب ليكي الثروة دي علشان تبقي غنية.
أنا بسيبهالك علشان يبقى عندك مكان محدش يقدر يعاملك فيه على إنك عبء عليه.
لو عايزة ترجعي، ارجعي.
ولو عايزة تفضلي هناك، خدي راحتك.
لكن أرجوكي، ما تطلبيش من ولادنا تاني الإذن علشان تعيشي حياتك.
إنتِ دفعتي تمن حبك ليهم أكتر من اللازم.
وما ترميش حاجة لمجرد إنها باينة صغيرة.
التذكرة دي هي بابك.
عبد الرحمن.
حضنت الجواب على صدري، وفضلت أعيط وأنا حاسة إن فيه حاجة جوايا رجعت للحياة من جديد.
لأول مرة من يوم الجنازة، ما حسيتش إن عبد الرحمن بعيد عني أو مدفون تحت التراب.
حسيت إنه قريب مني.
لسه عنيد زي ما هو.
ولسه كتوم وبيخبي أسراره.
ولسه بيعمل كل حاجة بطريقته الخاصة، حتى لو الطريقة دي بتخليني أعرف الحقيقة متأخر.
لكن في الآخر، كان بيحاول يحميني.
ولما قدرت أهدى، دييغو قال لي
لسه فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
مسحت دموعي، وبصيت له وقلت
طبعًا، ما هو واضح إن المفاجآت مش هتخلص النهارده.
ابتسم ابتسامة بسيطة، وبعدها قال
ولاد حضرتك اتصلوا بمحاميهم في ميامي الصبح.
حسيت بمعدتي اتقبضت، وسألته
هما عرفوا إن فيه حاجة تانية؟
رد
أيوه، اكتشفوا إن الممتلكات اللي ورثوها مش من غير التزامات مالية.
عقدت حواجبي وقلت
التزامات إيه؟
قال إن فيه ضرائب متأخرة على بعض العقارات، وقروض عقارية قيمة بعضها أكبر من القيمة الفعلية للعقارات نفسها، وديون كبيرة مرتبطة بصيانة المباني، ومصاريف إدارة مرتفعة جدًا.
عبد الرحمن ما سابش لولاده ممتلكات مالهاش قيمة، لكنه ساب لهم نفس الحاجات اللي فضلوا سنين يطلبوها، ومعاها المسؤوليات المالية التقيلة اللي مرتبطة بيها.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قلت
أكيد مش هيعجبهم الكلام ده.
رد دييغو
طبعًا، خصوصًا إنهم لو حاولوا يطعنوا على الصندوق الائتماني بتاع حضرتك، فيه شرط في الوصية ممكن يخليهم يخسروا بعض الممتلكات الكبيرة اللي لسه في حوزتهم في فلوريدا.
رجعت بضهري على الكرسي، وفضلت أفكر في كلامه.
ما حسيتش إن اللي حصل انتقام.
على الأقل، مش بالشكل اللي ممكن حد يتخيله.
كان أشبه بمراية اتحطت قدام ولادي علشان يشوفوا نفسهم على حقيقتهم.
هما جَروا ورا الثروة من غير ما يسألوا نفسهم عن تمنها، زي ما كانوا طول عمرهم بيجروا عليا علشان أجهز لهم الأكل، أو أساعدهم من مدخراتي، أو أشيل عنهم مسؤولية أولادهم، أو أكون موجودة وقت أزماتهم.
عمرهم ما اهتموا بالتفاصيل الصغيرة، لأن التفاصيل دي كانت دايمًا مسؤوليتي أنا.
أنا اللي كنت بشيل الحمل كله، وهم ما كانوش بيشوفوا غير النتيجة.
الليلة دي، نمت في البيت التاريخي الموجود في سان خوسيه.
كان بيت واسع، سقفه عالي، وأرضيته خشب قديم، وفيه بلاط أزرق جميل، وبلكونة صغيرة كنت بسمع منها صوت المطر وهو بينزل بهدوء، من غير ما أحس بالوحدة اللي كنت بحس بيها في بيتنا في ميامي.
كانت فيه ست اسمها كارمن مجهزة لي الأوضة، وحاطة على ترابيزة المطبخ عيش طازة وقهوة وفاكهة، وجنبهم ورقة صغيرة مكتوب فيها
أهلًا بيكي يا حاجة خديجة، البيت ده مستنيكي من زمان.
قعدت لوحدي على الترابيزة، وفضلت أبص للورقة، وبعدها عيطت تاني.
لكن المرة دي، عياطي كان أهدى.
تاني يوم الصبح، دييغو أخدني بالعربية لحد مزرعة البن.
الطريق كان بيلف وسط تلال خضرا، والضباب الخفيف كان مغطي أجزاء من الجبال، والهوا كان ريحته تراب مبلول وزهور وحاجات تانية ما قدرتش أحددها، لكنها كانت بتديني إحساس غريب بالراحة.
ولما وصلنا المدخل، لقيت لافتة خشب كبيرة مكتوب عليها
دوس ألمَاس، ومعناها روحان.
بصيت لدييغو وسألته
هو مين اللي اختار الاسم ده؟
قال
مصطفى هو اللي سماها كده، علشان يرمز لنفسه ولعبد الرحمن.
وقبل ما ألحق أسأله أي سؤال تاني، لقيت ست في الستينات من عمرها نازلة من على سلالم البيت، وأول ما شافتني، قربت مني وحضنتني بقوة قبل ما أفهم هي مين.
قالت لي
أنا كارمن يا حاجة خديجة، وعبد الرحمن كان بيتكلم عن حضرتك كل مرة يتصل بينا فيها.
بعدت عنها شوية وبصيت لها باستغراب.
كان بيتكلم عني أنا؟
ابتسمت وقالت
دايمًا. كان يقول لنا لما خديجة توصل، ما تعاملُوهاش على إنها ضيفة، عاملوها على إنها صاحبة البيت اللي رجعت لبيتها.
صاحبة البيت!
الكلمة كانت كبيرة عليا، لدرجة إني ما عرفتش أرد عليها.
تمن سنين وأنا مجرد ست بتخدم جوزها المريض.
وقبلهم، كنت أم بتحاول توفر كل حاجة لأولادها.
وقبل ما أتجوز، كنت بنت اتعلمت من بدري إنها ما تطلبش أكتر من اللي تقدر عليه، وإنها تستحمل علشان ما تكونش حمل على حد.
أما كلمة صاحبة البيت، فكانت بالنسبالي كأنها فستان متفصل لست تانية، مش ليا أنا.
لكن البيت كان حقيقي.
والأرض كانت حقيقية.
والجواب اللي في شنطتي كان حقيقي.
والمفاتيح اللي كارمن حطتها في إيدي كانت حقيقية.
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن فيه حاجة في الدنيا بقت ملكي أنا، من غير ما أحتاج أستأذن حد علشان أحتفظ بيها.
وبحلول اليوم التالت، تليفوني بدأ يرن من غير توقف.
مرة مريم.
ومرة عمر.
ومرة سارة.
وبعدها مريم تاني.
وبدأت الرسائل توصل واحدة ورا التانية.
ماما، إنتِ فين؟
لازم نتكلم بخصوص تركة بابا.
التذكرة دي مش معناها إنك تختفي من حياتنا من غير ما نعرف مكانك.
فيه مشاكل قانونية إنتِ مش فاهمها.
ضحكت لما قريت الرسالة الأخيرة.
مشاكل قانونية!
ولادي اللي كانوا بيتجاهلوا إيديا وهي بتترعش من التعب، بقوا فجأة خايفين عليا ومهتمين إني ما أفهمش الأمور القانونية!
ما رديتش على أي رسالة.
وفي اليوم الرابع، وصلوا سان خوسيه.
وطبعًا، ما استغربتش.
الفلوس بتخلي الناس الأنانية تتحول لمحققين شاطرين جدًا، خصوصًا لما يحسوا إن فيه حاجة ممكن تضيع من إيديهم.
وصلوا البيت التاريخي وهما لابسين هدوم رسمية، ووشوشهم باينة عليها العصبية، والعرق مالي جباههم من الرطوبة والحر.
مريم دخلت الأول من غير حتى ما تسلم عليا، وقالت بصوت عالي
ماما، إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه بالضبط؟
كنت قاعدة جنب الشباك، بشرب قهوتي من فنجان خزف أزرق، فرفعت عيني ليها وقلت بهدوء
بفطر يا بنتي، تحبي تشربي قهوة؟
بصت لي بغيظ، وكأن هدوئي كان مستفز أكتر من أي رد ممكن أقوله.
أما عمر، فكان بيلف بعينيه في المكان، وبيفحص الحيطان والشبابيك كأنه بيحسب قيمة العقار من أول لحظة.
وبعدها سأل
هو بابا كان مالك البيت ده؟
قلت له
لأ، مصطفى هو اللي كان مالكه.
بص لي باستغراب وعصبية، وقال
مين مصطفى ده أصلًا؟!
وقبل ما أرد عليه، دييغو خرج من المكتب وقال بهدوء
المكان ده ملك خاص، وأتمنى إن حضرتكم تحترموا خصوصيته.
سارة طلعت ضحكة ساخرة وقالت
إحنا عيلة واحدة، يعني مش غرب.
حطيت فنجان القهوة على الترابيزة، وبصيت لهم واحد واحد، وقلت
أيوه، إحنا كنا عيلة واحدة في مكتب المحامي كمان، وأنا فاكرة كويس أوي قد إيه كنتوا حريصين على مشاعري وقت ما كنتوا بتضحكوا على تذكرة السفر اللي أبوكم سابهالي.
وش مريم اتغير،
متابعة القراءة