كنت عايشة لوحدي، مع ذلك جارتي كانت مصممة كل يوم بعد الظهؤ بتسمع ست بتصرخ

لمحة نيوز

كان فيه أثر جرح رفيع جدًا معدّي في حاجبها الشمال.
أنا كنت موجودة يوم ما حصل لها الجرح ده.
كان عمرها عشر سنين، وكانت طالعة فوق رخامة المطبخ علشان توصل لعلبة البسكويت اللي ماما حطاها فوق الرف.
اتزحلقت، ووقعت، واتخبطت في طرف الرخامة وجرحت راسها، وقعدت وقتها ترجاني وأنا مرعوبة
إوعي تقولي لماما اللي حصل بجد.
كانت أختي الصغيرة...
سارة.
سارة هي نفسها اللي مسكت إيدي جامد في جنازة ياسين.
بعد وفاته، فضلت تنام عندي في الأوضة الاحتياطية أسبوع كامل، لأنها كانت بتخاف من هدوء البيت.
كانت بتجيب لي أكل من بره، وتغسل لي شعري، وتساعدني أرتب كومة الورق اللي كانت مالية ترابيزة السفرة.
كانت عارفة مكان المفتاح الاحتياطي بالظبط.
وعارفة مواعيد خروجي ورجوعي.
وعارفة الأدوية اللي كنت باخدها، وإيه منها كان بيخليني أنام نوم تقيل.
سمعتها بتقول بصوت واطي
هي لسه أختي.
ياسين رد من السماعة من غير أي تردد
بطلت تبقى أختك من يوم ما أخدت البيت.
قالت سارة
ماما هي اللي سابت البيت ليها في الوصية.
رد ببرود
علشان عائشة كانت عاملة نفسها البنت المثالية المخلصة، وإنتِ كانت بتترمي على جنب.
قفلت عيني بقوة.
آخر تلات سنين في حياة ماما كانوا أكتر تلات سنين استنزفوني في حياتي كلها.
كنت باخدها جلسات العلاج، وأغيّر لها على جروحها، وأدير فلوسها وحساباتها، وأبات جنب سريرها في المستشفى على كرسي بلاستيك قاسي كل ما كانت تخاف أو تتعب.
أما سارة، فكانت بتيجي تزورها لما تكون هي نفسها عايزة.
وده كان بيحصل نادر جدًا.
بعد وفاة ماما، سارة أخدت نص الفلوس اللي كانت متوفرة، وجزء من الاستثمارات، وكام قطعة من دهب جدتي القديم.
أما أنا، فأخدت البيت.
لأني كنت فسخت عقد الشقة اللي كنت ساكنة فيها، وقللت ساعات شغلي، علشان أتفرغ لماما وأرعاها بنفسي.
سارة اعتبرت ده ظلم صريح.
وكانت طول الوقت بتشتكي لياسين.
والواضح دلوقتي إنه ما كانش بيسمع كلامها لمجرد الفضفضة.
كان بيسمع وبيخطط.
قالت سارة
إنت وعدتني إننا هنخرج من الموضوع ده سوا.
رد
وهنخرج.
سألته
إمتى؟
قال
أول ما تلاقي الملف.
قالت بضيق
إنت بقالك شهور بتقول لي نفس الكلام.
نبرة ياسين اتغيرت وبقت باردة
بصي في درج الكومودينو.
سارة اتوترت.
الحركة الصغيرة دي كانت كفاية إنها تقول لي كل حاجة.
هي خانتني بسهولة.
لكن واضح إنها بدأت تستوعب لأول مرة إن وعود ياسين ليها مالهاش قيمة.
نفس الوعود اللي انتهت بجنازته.
كل حاجة كانت مجرد تمثيلية محسوبة.
سارة فتحت درج الكومودينو.
وفي اللحظة دي، موبايلي اهتز فوق صدري.
اهتزازة قصيرة.
سارة وقفت مكانها.
قالت
إيه ده؟
سأل ياسين من السماعة
إيه اللي حصل؟
قالت
سمعت صوت موبايل بيرن.
خطت خطوة ببطء ناحية السرير.
زقيت موبايلي تحت بطني، لكن الشاشة كانت نورت بالفعل، ونورها الخافت بان وسط التراب الصغير اللي تحت السرير.
سارة نزلت على الأرض.
إيديها لمست السجادة الأول.
وبعدين شعرها الأسود وقع لقدام.
وأخيرًا ظهر وشها تحت طرف المرتبة.
عيني جات في عينها.
فمها اتفتح من الصدمة.
قبل ما تقدر تصرخ، اندفعت ناحيتها.
خبطت كتفي في هيكل السرير، ومسكّت إيدها جامد.
سارة وقعت لورا، والموبايل وقع من إيدها واتزحلق على السجادة.
سمعت صوت ياسين من السماعة
سارة؟ إيه اللي حصل؟
خرجت بسرعة من تحت السرير، وخطفت موبايلها من على الأرض.
الشاشة كانت بتظهر رقم مجهول ومحجوب.
والاتصال لسه مفتوح.
حطيت الموبايل على ودني.
وقلت
ياسين.
سكت.
ما سمعتش غير صوت نفسه.
نفس طريقة التنفس الهادية المنتظمة اللي فضلت أسمعها وهو نايم جنبي لمدة حداشر سنة.
وبعد لحظات، قال بصوت واطي
عائشة.
ركبي كادت تخونني.
أنا تخيلت اللحظة دي ألف مرة في أحلامي.
كنت دايمًا أتخيل إن ياسين هيظهر فجأة لأن الطب الشرعي يكون غلط في تحديد هويته.
كنت أتخيله داخل من باب البيت، ويضمني لصدره، ويعتذر لي عن كل دمعة نزلت مني بسببه.
لكن ولا مرة في أحلامي تخيلت إنه هيرجع بالشكل ده.
ولا مرة تخيلته صوته مليان ضيق لأنه لاقاني عايشة...
وعاقلة...
وفاهمة كل حاجة.
همست
إنت كنت واقف تتفرج عليّ وأنا بدفنك؟
رد بسرعة
اسمعيني بس.
قلت
إنت كنت في المقابر؟
سكت لحظة.
قلت وأنا صوتي بيرتعش
كنت واقف هناك وشوفتني وأنا بعيط قدام قبرك؟
سارة بدأت تزحف ناحيتي بهدوء.
رفعت الموبايل لفوق بعيد عن إيدها.
وفجأة سمعت ياسين بيتنهد بضيق.
وقال
إنتِ بتتصرفي بعصبية زيادة عن اللزوم.
رجعي الموبايل لسارة. 
سيبتني أعيش سنتين كاملة وأنا بعيط عليك وأحزن عليك.
رد بهدوء بارد
كنت بعمل اللي لازم يتعمل.
صرخت
ودلوقتي عايز تدخلني مستشفى نفسي؟
قال
إحنا بنحاول نوفر لك المساعدة النفسية اللي محتاجاها.
في اللحظة دي بصيت لصورة فرحنا اللي كانت فوق الكومودينو.
الراجل ده كان بيصحى يعمل لي قهوة لما أتأخر في الشغل.
كان يرقص معايا بهدوء في المطبخ وإحنا لوحدنا.
وكان ماسك إيد أمي في آخر لحظات عمرها.
كان متقن كل حاجة المفروض الزوج الطيب يعملها.
كل كلمة حلوة.
كل لمسة حنان.
كل موقف خلاني أثق فيه ثقة عمياء.
وبعدين استخدم الثقة دي كلها علشان يبني سجن حوالين حياتي.
رميت الموبايل على الأرض بكل قوتي، ودسته بكعبي لحد ما الشاشة اتكسرت.
سارة صرخت وزقتني بعنف.
ضهري خبط في التسريحة، وصورة فرحنا وقعت واتكسرت على السجادة.
صرخت سارة وهي منهارة
إنتِ بوظتي كل حاجة!
بصيت لها.
مش كأختي.
كإنسانة ما بقيتش أعرفها.
قلت
وعدك بإيه بالظبط؟
خطفت شنطتها الحمرا وقالت بعصبية
ابعدي من طريقي.
كررت السؤال
وعدك بإيه يا سارة؟
صرخت وهي تبكي
وعدني بحياة ما أبقاش فيها طول الوقت أقل منك!
وجريت ناحية الممر.
جريت وراها، ومسكّت حزام الشنطة عند أول السلم.
الجلد اتقطع.
وكل اللي جواها وقع على الأرض.
مفاتيح.
علب برتقالية فيها أدويتي اللي كانت بتختفي.
وحدة تخزين صغيرة.
وجواز سفر مطبق.
وصورة لامعة اتزلقت تحت الترابيزة.
فتحت جواز السفر.
الصورة كانت لسارة.
لكن الاسم المكتوب ما كانش سارة.
كان اسم تاني بالكامل.
وبصيت للصورة.
ياسين كان واقف جنبها قدام بيت أبيض قريب من البحر.
شعره كان أطول، ودقنه كبيرة شوية.
لكنه كان بصحة ممتازة.
عايش.
حي

تم نسخ الرابط