كنت عايشة لوحدي، مع ذلك جارتي كانت مصممة كل يوم بعد الظهؤ بتسمع ست بتصرخ

لمحة نيوز

الملف كطُعم.
رجعوا الملف وحطوه في نفس درج التسريحة.
ركنوا عربيتي بعيد عن البيت بكام شارع.
وطَفّوا كل الأنوار، وسيبوا نور خافت بس فوق البوتاجاز.
وحطوا كاميرات مخفية تراقب الممر، وأوضتي، والبلكونة الخلفية.
وأنا قعدت في عربية شرطة من غير علامات، جنب المحققة لينا، في ليلة خميس والمطر بينزل بهدوء.
الساعة كانت ١١ و٤٧ دقيقة بالليل.
وفجأة، ظهر ظل عند باب البلكونة الزجاجي.
دخل ياسين.
كان لابس كاب غامق وجاكت قماش قديم.
شكله كان هزيل شوية.
لكن مشيته...
عرفتها فورًا.
دخل المطبخ من غير تردد، ومشى فوق الأرض كأنه حافظ كل شبر فيها.
حتى اللوح الخشبي اللي كان بيصرّ تحت رجليه جنب المخزن، عدى من فوقه بالظبط.
كان عارف أماكن أجهزة الإنذار القديمة اللي ما كانتش بتشتغل.
مشاهدتي ليه وهو بيتحرك جوه بيتي كانت أغرب بكتير من سماع صوته على الموبايل.
الراجل اللي المفروض يكون ميت كان واقف قدامي.
لكن ياسين ما كانش باين عليه إنه غريب عن المكان.
كان بيتحرك فيه كأنه لسه بيعيش فيه.
طلع السلم ودخل أوضتي.
ولثواني وقف قدام صورة فرحنا المكسورة، اللي الشرطة كانت سايباها عمدًا فوق الكومودينو.
بص لها.
وشه ما اتغيرش.
ولا حتى للحظة.
فتح الدرج بسرعة وخطف الملف الأزرق.
المحققة لينا مسكت جهاز اللاسلكي وقالت
دلوقتي.
في ثواني، دخل أفراد الشرطة من الناحيتين.
ياسين جرى ناحية السلم، لكن الضباط لحقوه وأسقطوه على الأرض في الممر اللي فوق.
كان بيصرخ باسمي، وهم بيقفلوا الأصفاد في إيديه.
نزلت من عربية الشرطة.
المطر البارد كان بينزل على شعري وعلى رقبتي.
ياسين بص لي.
والأغرب إنه ابتسم.
نفس الابتسامة الدافية اللي كنت أعرفها من صور فرحنا.
صرخ
عائشة! إنتِ لسه ما عرفتيش الحقيقة كلها!
قلت
أنا عرفت كفاية.
قال
أنا ما كنتش عايز أي حاجة من دي تحصل لك!
بصيت له وقلت
إنت سجلت صوت ست بتصرخ تحت سريري يا ياسين.
رد بسرعة
ما كانش قدامي اختيار!
قلت
إنت كنت بتحط لي حاجة في أكلي.
صرخ
دي كانت سارة!
قلت
وسيبتني أدفن راجل بريء وأنا فاكرة إنه إنت.
الابتسامة اختفت من وشه أخيرًا.
وقال بصوت أهدى
إنتِ عارفة أنا كنت بحبك قد إيه.
ولثانية واحدة، رجعت لي ذكريات قديمة.
صباحاتنا الهادية.
فنجانين القهوة.
وإيده وهي على ضهري وسط الزحمة.
كنت فاكرة إن الذكريات دي دليل أكيد على الحب.
لكن دلوقتي فهمت الحقيقة.
هو كان بيدرسني.
بيحفظ عادتي.
نقاط ضعفي.
ردود أفعالي.
وكان بيجمع عني معلومات علشان يستخدمها ضدي.
بصيت له وقلت ببرود
إنت عرفتني كويس جدًا.
لكن إنك تعرف كل حاجة عني مش معناه إنك حبيتني.
الضباط دخلوه العربية.
والابتسامة اختفت تمامًا قبل ما الباب يقفل.
القضية فضلت ماشية أكتر من سنة.
ياسين اتوجهت له اتهامات كتير، منها الاحتيال، والتآمر، وانتحال الهوية، وجرائم مرتبطة بالجثمان اللي استخدمه علشان يزوّر موته.
والدكتور سامر اتسحب منه ترخيصه واتهم بتزوير السجلات الطبية.
أما سارة، فأخدت حكم بالسجن بسبب اشتراكها معاه في الخطة، ودخول البيت من غير إذن، ومحاولة الاستيلاء على ممتلكاتي، والتلاعب بأدويتي.
قابلتها مرة واحدة في ممرات المحكمة.
كانت إيديها متكلبشة.
ومن غير المكياج الغالي وحلقان اللؤلؤ، رجعت في عيني مجرد أختي الصغيرة المزعجة اللي كانت بتسرق هدومي زمان.
قالت وهي بتعيط
عائشة... سامحيني.
بصيت لها.
كنت بدور في وشها على البنت الصغيرة اللي كانت زمان بتمسك إيدي أول يوم مدرسة.
وقلت
أنا مش بكرهك يا سارة.
وشها ارتاح للحظة.
لكن كملت
بس ما تخلطيش بين إني مش بكرهك وبين إني سامحتك.
ولفيت ومشيت.
بعد كام شهر، قدروا رسميًا يعرفوا هوية الراجل اللي اتدفن في قبر ياسين.
أخته الكبيرة جت من محافظة بعيدة علشان تستلم جثمان أخوها.
قابلتها عند بوابة المقابر بعد استخراج الجثمان.
من غير ما نكون نعرف بعض، حضنتني جامد.
وقالت وهي بتعيط
على الأقل دلوقتي عرفت أخويا راح فين.
حطيت باقة من عباد الشمس الصفراء على قبره الجديد.
أما الورد الأبيض، فبقيت أكره أشوفه.
كان بيفكرني بجنازة ياسين المزيفة.
بعد تلات شهور من صدور الأحكام، رجعت أخيرًا لبيتي.
غيّرت كل الأقفال.
وركبت نظام أمان جديد.
وتبرعت بكل هدوم ياسين، وكتبه، وأدوات الحلاقة، وحتى مج القهوة الخزف اللي كان بيخبط فيه بدبلته.
وشلت السرير من البيت ورميته.
أم محمود جابت لي نبتة صغيرة من إكليل الجبل، وحطيتها لي في أصيص صغير علشان أحطها على شباك أوضتي.
وقالت لي وهي بتوصيني عليها
الشمس الصبح بتحبها، بس أوعي تغرقيها ميه لحد ما تموت.
أول ليلة رجعت فيها بيتي، كل الأصوات كانت مختلفة.
سمعت مواسير الميه وهي بتطقطق جوه الحيطان.
والتلاجة وهي بتشتغل تحت.
وغصن شجرة البلوط وهو بيحتك بجانب البيت.
قبل ما أدخل تحت البطانية، نورت بالكشاف وبصيت تحت السرير الجديد.
كان فاضي.
مفيش حد.
مفيش سماعة.
مفيش أي حاجة مستخبية.
النوم ما جاش بسهولة، لكن في الآخر غلبني ونمت.
تاني يوم الصبح، لقيت أم محمود واقفة قدام بيتها، وبتكنس السلم بعصبية وهي بتزق حبات البلوط بعيد عن مدخل البيت.
نادت عليّ من ورا السور
الدنيا هادية عندك؟
بصيت ورايا على باب بيتي المتين.
البيت ده كان في يوم من الأيام مخبي جواه تسجيل صوت ست بتصرخ، ومفتاح مسروق، وخطة كاملة معمولة علشان تدمر ثقتي في نفسي وتخليني أشك في عقلي.
أما دلوقتي...
ما بقاش جواه غير قهوتي الصبح، وهدومي، وحاجاتي اللي تخصني أنا.
ونبتة إكليل الجبل وهي بتاخد أول خيوط الشمس.
رفعت صوتي وقلت لها
كله هادي.
في كدب بيحب يستخبى وسط السكوت.
وفي كدب تاني بيعمل دوشة مرعبة لدرجة إن اللي ساكن جنبك في الآخر ما يقدرش يتجاهله.

تم نسخ الرابط