بينما بنتي كانت بتقول إنها مسافرة كام يوم
مجرد صوت خافت ومرعب لألواح الخشب وهي بتتحرك تحتينا.
وطي علي صوته وقال
يا أستاذ حسن يمكن فعلًا الأحسن نستنى بره.
أنا كنت فاهم كويس هو خايف ليه.
لكن لو اللي تحت ده كان حفيدي نوح وهو اللي بيعيط، فأنا مستحيل أرجع وأسيبه.
بدأت أنزل على درجات السلم الخشب.
وفي نص السلم، لمحت بطانية أطفال متنية بعناية، ومطرز عليها دبدوب بني صغير.
وقفت مكاني للحظة.
مراتي الله يرحمها كانت هي اللي مطرزة الدبدوب ده بإيديها، قبل حتى ما سارة تتولد.
البطانية دي كانت دايمًا محفوظة جوه صندوق خشب قديم في أوضة سارة اللي فوق.
وجودها على سلم القبو ماكانش له أي معنى.
لما وصلت لآخر درجة، القبو كله بان قدامي.
ولثانية واحدة، نسيت آخد نفسي.
القبو كان عبارة عن مساحة خرسانية غير مكتملة، لكن حد حوّلها لشقة صغيرة مؤقتة.
مرتبة مفروشة بملايات كانت محطوطة في ركن.
كتب أطفال مترتبة جنب بعض على رف واطي.
وصناديق بلاستيك جواها هدوم أطفال متنية بعناية.
وكان في رصات حفاضات، وجراكن مية، وأكل معلب، وأدوية، وألعاب، وترابيزة صغيرة قابلة للطي فوقها ملفات وأوراق قانونية كتير.
مفيش حاجة كانت عشوائية.
ولا حاجة كانت باينة إنها اتعملت على عجلة.
حد كان مجهز المكان ده علشان يستخبى فيه، وبعناية شديدة جدًا.
وفجأة سمعت كحة صغيرة مكتومة.
لفيت وشي ناحية الصوت.
لقيت ولد صغير قاعد على المرتبة، وحاضن بكل قوته لعبة كلب قماش قديمة.
خدوده كانت حمرا جدًا من السخونية.
وعينيه اتمَلوا دموع جديدة وهو بيبص من ورايا ناحية الركن البعيد من القبو.
همس
ماما
في اللحظة دي، خرجت ست من ورا سخان المية بسرعة، وشالت الولد بين دراعتها، وباست راسه.
وبعدين بس رفعت عينيها المرهقة وبصتلي.
بابا.
كانت سارة.
وشكلها كان كأنها ما نامتش بقالها أيام.
شعرها الأشقر كان مربوط ورا راسها بطريقة عشوائية.
وتحت عينيها هالات غامقة من التعب.
وكانت لابسة نفس البلوزة الرمادي اللي كانت لابساها في مكالمتنا بالفيديو من يومين.
الغريب إنها ما اتفاجأتش لما شافتني.
بالعكس
كان شكلها مرتاح، كأنها أخيرًا خلصت من انتظار طويل.
ورايا، علي بدأ يرجع بهدوء ناحية السلم.
قال بصوت منخفض
هسيبكم تتكلموا براحتكم.
ولا أنا ولا سارة ردينا عليه.
أنا ماقدرتش أشيل عيني من على بنتي.
همست
إنتِ ما سافرتيش.
حضنت نوح أقوى شوية.
وقالت وصوتها بيتكسر
لأ.
وبعدها همست
ماقدرتش.
عدت دقيقة كاملة تقريبًا من غير ما أي واحد فينا يتكلم.
القبو كان هادي تمامًا، ماعدا صوت مروحة صغيرة شغالة، ونفس نوح المكتوم وهو حاطط راسه التقيل على كتف أمه.
فضلت سارة تهزه يمين وشمال لحد ما عينيه قفلت ونام.
ساعتها بس رفعت عينيها وبصتلي تاني.
قالت
أنا آسفة يا بابا.
صوتها كان شبه الهمس.
ماكانش نفسي تعرف بالطريقة دي.
بصيت حواليا في القبو الخرساني.
كان واضح جدًا إن مفيش حاجة هنا اتعملت بإهمال.
جراكن مية جديدة مرصوصة جنب الحيطة.
وحقيبة إسعافات أولية كاملة جنب صندوق تبريد صغير.
ده ماكانش مكان واحدة فقدت عقلها.
وماكانش سجن.
كان حصن.
ومع ذلك، كان في سؤال واحد بيصرخ جوا دماغي.
قلت بهدوء
ليه؟
خدت نفس طويل ومهزوز.
أنا فعلًا رحت المطار الصبح.
أنا مصدقك.
ركنت العربية، وخلصت إجراءات السفر، وقعدت عند بوابة الطيارة.
سكت شوية، وبعدين سألتها
أمال رجعتي ليه؟
بصت لوش نوح وهو نايم.
وقالت
علشان ماقدرتش أسيبه.
قلت
إنتِ أصلًا كنتِ مسافرة يومين بس علشان مؤتمر شغل.
عارفة.
وعينيها اتمَلوا دموع.
بس فضلت أفكر في كل اللي حصل خلال الأسابيع اللي فاتت. وكل مرة كانوا بيعلنوا عن رحلة من مكبرات الصوت، كنت بحس إن الصوت بيبعد عني أكتر وأكتر.
بلعت ريقها.
وماكانش بييجي في بالي غير حاجة واحدة محمود ياخد نوح مني.
ومدت إيدها ومسحت خصلة شعر مبلولة بالعرق من على جبهته.
قالت
ولما نادوا على الناس علشان يطلعوا الطيارة، وقفت
سكتت، وبلعت ريقها بصعوبة.
بس رجلي ماقدرتش تتحرك ناحية البوابة.
بصيتلها.
فخرجتي؟
هزت راسها.
ركبت عربيتي ورجعت على طول هنا.
افتكرت مكالمتنا الصبح.
قلت
بس صوتك كان كأنك فعلًا هتركبي الطيارة.
قالت
أنا كلمتك من جوه المطار قبل ما ألف وأمشي.
وابتسمت ابتسامة مليانة ذنب.
كنت عارفة إن لو صوتي بان عليه أي تردد، هتبدأ تسألني الأسئلة الصعبة. وأنا ماكنتش مستعدة أجاوب.
ساعتها فهمت.
هي فعلًا كانت في مطار بغداد.
لكنها ماطلعتش على الطيارة اللي كانت متجهة لمدينة عمّان.
سألتها
طب وإنتِ رجعتي البيت، ماكلمتينيش ليه؟
قالت
فكرت أتصل بيك أكتر من مرة.
أمال ليه ما اتصلتيش؟
ابتسمت ابتسامة ضعيفة ومتعبة.
علشان أنا عارفاك يا بابا.
وسكتت لحظة.
أول ما تعرف إني مستخبية في القبو بتاع بيتي، كنت هتيجي على طول.
ماقدرتش أنكر.
هي كانت عارفة إني هعمل كده فعلًا.
قالت
وكنت خايفة تروح تواجه محمود.
قلت
غالبًا كنت هعملها.
قالت بسرعة
ولو عملت كده، محاميه كان هيستخدم الموضوع ضدي فورًا.
سكتت لحظة، وبعدين كملت بصوت هادي جدًا
كان هيقول إن عيلتي بتتدخل في القضية، وإننا بنعاديه ونتعامل معاه بعدائية، خصوصًا قبل جلسة الحضانة الطارئة يوم الاتنين.
هزيت راسي ببطء وأنا بدأت أربط كل حاجة ببعضها.
يعني علشان كده فضلتي ساكتة.
قالت
كنت بكره إني أعمل كده.
وبصت حوالين القبو الكئيب.
بس أنا كنت محتاجة أعدي عطلة نهاية الأسبوع بس لحد صباح الاتنين.
عيني راحت للملفات المترتبة فوق الترابيزة.
سألتها
إيه اللي هيحصل يوم الاتنين بالظبط؟
قالت
المحامي بتاعي قدم طلب عاجل للمحكمة علشان يوقف حق محمود في زيارة نوح مؤقتًا.
سألتها
بناءً على إيه؟
جوه الملف كان في كذا محضر شرطة، ورسائل بين المحامين، وصور مطبوعة، وعشرات الصور المأخوذة من رسائل الموبايل.
واحدة من الصور كانت باينة فيها علامات زرقاء خفيفة على دراع نوح، كأن حد مسكه من فوق دراعه بقوة.
وفي محضر شرطة تاني كان مكتوب إن محمود رفض يرجّع نوح لأمه لحد قرب الساعة حداشر بالليل، بعد زيارة نهاية الأسبوع اللي كانت متفق عليها.
وكان في الملف كمان إقرار رسمي موثق، سارة كانت كاتباه