بينما بنتي كانت بتقول إنها مسافرة كام يوم

لمحة نيوز

بنفسها.
رفعت عيني من على الورق، وأنا حاسس إن دمي بيغلي.
قلت
هو هددك؟
هزت راسها، ولفت دراعها حوالين نفسها.
آخر مرة لما جاب نوح وحطه قدام البيت.
صوتها بدأ يرتعش بعنف.
ابتسملي ابتسامة غريبة وقال لي يوم من الأيام مش هرجعهولك، وساعتها مش هتشوفيه تاني.
حسيت بمعدتي بتتقلب.
سألتها
بلغتي الشرطة؟
قالت
أول ما مشي بعربيته.
وقالوا إيه؟
قالوا من غير شاهد تالت أو تسجيل، هتبقى كلمتي قصاد كلامه. وقالوا إن الموضوع خلاف عائلي ولازم يتحل في المحكمة.
شكلها كان مرهق حتى وهي بتحكي الذكرى.
قلت
وده الوقت اللي بدأ فيه يعدي بالعربية قدام البيت بالليل؟
هزت راسها.
العربية النقل الغامقة.
بصتلي باستغراب.
إنت شفتها؟
قلت
لمحتها وهي خارجة من المنطقة النهارده وأنا ماشي.
قالت
دي مش أول مرة يعمل كده.
ومشت ببطء ناحية شباك القبو الصغير المستطيل اللي كان قريب من السقف.
قالت
الجيران كمان شافوه وهو بيلف حوالين البيت.
وأشارت للبطانية اللي عليها الدببة البنية، واللي كانت محطوطة على السلم.
كنت كل ليلة بعد غروب الشمس بحط البطانية على الشباك علشان محدش يشوف النور اللي تحت.
ساعتها بدأت أفهم الصورة كاملة.
قلت
وعلشان كده خليتي الدور اللي فوق باين كأنه فاضي تمامًا.
قالت
بالظبط.
وضحت ضحكة متعبة مليانة مرارة.
لو محمود عدى بالعربية، كنت عايزاه يبقى متأكد مية في المية إني سافرت فعلًا زي ما قلتله.
سألتها
طب ليه فضلتي في البيت أصلًا؟ ليه ما روحتيش فندق؟
ردت
المحامي بتاعي نصحني بشكل واضح إني ما أسيبش بيتي الأساسي إلا لو كان في خطر حقيقي وفوري على حياتي.
وضمت دراعها حوالين جسمها أكتر.
لو خرجت من البيت ومعايا نوح، محامي محمود كان ممكن يستخدم ده ضدي، ويقول إني أخدته من غير حق وإنّي خالفت قرار الحضانة المؤقت.
قلت
يعني فضلتي مكانك.
هزت راسها.
فضلت في المكان اللي المحكمة متوقعة إني أكون فيه.
وقعدتي مستنية في الضلمة.
قالت
أيوه.
وسكتت شوية.
كنت محتاجة أعدي عطلة نهاية الأسبوع دي بس.
سكتنا إحنا الاتنين في القبو البارد.
وفجأة نوح اتحرك بين دراعات أمه.
عينيه اللي كانت مليانة سخونية اتفتحت.
رمش كذا مرة وهو بيبصلي، وبعدها مد إيده الصغيرة ناحيتي.
جدو.
قلبي داب من جوايا.
ابتسمت وقربت منه.
أهلا يا حبيبي.
رفع لعبته القديمة قدامي وقال
الكلب نايم.
ضحكت بهدوء، وعيني اتمَلوا دموع.
واضح إن جدو كمان محتاج ينام.
ولأول مرة طول اليوم، سارة ضحكت.
ماكانتشي ضحكة كبيرة.
لكنها كانت حقيقية.
كانت ضحكة بنتي اللي أعرفها.
قربت منها ومسكت إيدها الفاضية.
قلت
كان لازم تثقي فيا يا سارة.
قالت
عارفة.
أنا ماكنتش هحكم عليكي علشان خايفة.
قالت
أنا ماكنتش خايفة من حكمك عليا.
وضغطت على إيدي بقوة.
كنت خايفة إنك بتحبنا لدرجة تخليك تعمل حاجة متهورة تبوظ القضية كلها.
ماعرفتش أرد عليها.
لأنها كانت عندها حق.
لو كانت قالتلي إن محمود هددها إنه ياخد حفيدي وميرجعوش، غالبًا كنت هركب عربيتي وأروحله على طول وأنا في قمة غضبي.
هي كانت عارفاني أكتر من أي حد.
قلت بحزم
خلاص. مش هتستخبوا في قبو تاني.
بصتلي، والخوف ظهر في عينيها.
يعني إيه؟
قلت
يعني إنتِ ونوح مش هتقضوا ليلة تانية نايمين على أرض خرسانة.
سألتني بقلق
طب هنروح فين؟
بيتي.
ولو محمود شافنا وإحنا خارجين؟
ابتسمت بهدوء.
هيشوف بالظبط اللي إنتِ عايزاه يشوفه.
بصتلي باستغراب.
قلت
بيت فاضي.
قالت
بس لو لحقنا لحد بيتك؟
مش هيقرب منك.
بابا، إزاي تضمن ده؟
طلعت موبايلي من جيبي.
صاحبي يوسف خرج معاش من الشرطة من سنتين، وبعد خدمة طويلة في شرطة بغداد، لسه يعرف ناس كتير هناك.
رفعت حاجبها.
يعني ممكن يساعدنا؟
قلت
مش هنطلب منه يعمل حاجة غلط. كل اللي محتاجينه إن حد يراقب المكان ويوثق أي حاجة تحصل.
بعد حوالي خمس وعشرين دقيقة، وصلت عربية يوسف قدام البيت.
وكان معاه واحد تاني من رجال الشرطة المتقاعدين، وكان مسؤول قبل كده عن متابعة أمن المنطقة.
بعد ما حكيت لهم كل اللي حصل على باب البيت، الاتنين وافقوا فورًا إنهم يركنوا عربياتهم في ناحيتين مختلفتين من الشارع، ويفضلوا يراقبوا بيت سارة طول الليل.
مش علشان يعملوا مشكلة.
ولا علشان يدخلوا في خناقة.
لكن علشان يراقبوا، ويسجلوا أرقام العربيات، ويوثقوا أي حركة مريبة.
قال يوسف وهو بيشاور على كاميرا صغيرة كانت مثبتة في عربيته
لو محمود قرب من البيت، هنكون موثقين وجوده من أكتر من زاوية قبل حتى ما يركن عربيته.
كتاف سارة نزلت لأول مرة طول اليوم، وكأنها أخيرًا قدرت تتنفس.
قالت
شكرًا يا يوسف.
ابتسم لها من تحت غطاء رأسه.
ما تقوليش كده. إنتِ عندك اللي مكفيكي.
جهزنا بسرعة الحاجات اللي نوح محتاجها بس خلال اليومين.
كتب القصص اللي بيحب يسمعها قبل النوم.
الدواء اللي محتاجه.
بيجامة نضيفة.
ولعبته الكلب القديمة.
وقبل ما نخرج من الباب الخلفي، سارة مدت إيدها وسحبت البطانية اللي عليها الدببة من على شباك القبو، وطبقتها وحضنتها لصدرها.
قالت بهدوء
ماما هي اللي عملتها ليا.
قلت
عارف.
قالت
وأنا قاعدة هنا تحت، كنت كل شوية بفكر لو هي لسه عايشة
لفيت دراعي حوالين كتفها.
وقلت
كانت هتقولك نفس اللي أنا هقولهولك دلوقتي.
بصتلي.
قلت
إنتِ مش لوحدك.
وجاء صباح الاتنين، والسماء ملبدة بسحب رمادية تقيلة، والمطر البارد بينزل من غير توقف.
محامي سارة قابلنا قدام باب المحكمة مباشرة.
جلسة الحضانة الطارئة استمرت معظم فترة الضهر والعصر.
القاضي راجع بالتفصيل الصور اللي بتوضح العلامات على دراع نوح، ومحاضر الشرطة، وتأخير محمود في تسليمه، وأقوال الجيران اللي شافوه أكتر من مرة وهو بيلف بعربيته حوالين الشارع.
وقدموا كمان تسجيلات كاميرات المراقبة اللي يوسف حصل عليها، واللي كانت بتوضح عربية محمود وهي واقفة قدام بيت سارة لفترات مختلفة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ولما الجلسة الصعبة خلصت أخيرًا، القاضي أصدر قرار حماية مؤقت وعاجل.
تم إيقاف حق محمود في زيارة نوح بشكل مؤقت، لحد ما المحكمة تعمل جلسة شاملة ونهائية في موضوع الحضانة.
وأي تواصل مستقبلي بخصوص نوح بقى لازم يتم تحت إشراف
تم نسخ الرابط